رماد الأحلام | سعد الأزرقي

رماد الأحلام | سعد الأزرقي
قاص وكاتب | عراقي
في نبرةٍ مشدودةٍ كوترٍ على حافة الانكسار، طلبت المهندسة المقيمة مريم عبد الواحد من المقاول استبدال المواد غير الصالحة للبناء بأخرى مطابقة للمواصفات. كان صوتها واضحًا، لا يرتجف، كأنها تستند إلى يقينٍ لا يُرى.
احتقن وجه المقاول، وارتفعت نبرته بالصراخ والتهديد، خاصةً بعد أن رفضت التوقيع على استخدام تلك المواد لإكمال العمارة السكنية ذات العشرين طابقًا. حاول أن يستغل كونها امرأةً شابة، فمال بكلماته نحو الترهيب، ثم صمت لحظة، نظر إليها بعينين تضجّان بالغضب، وقال ببرودٍ مبطن:
— إن شاء الله… يصير خير، ست مريم.
أدار ظهره وصفق الباب بقوة، كأنما أراد أن يكسر شيئًا أبعد من الخشب.
في المساء، اجتمعت العائلة حول مائدة الطعام، كما تفعل كل يوم. جلست مريم بينهم، لكن روحها كانت في مكانٍ آخر، تتمتم بصمتٍ ثقيل. حاولت أن تخفي ما حدث، غير أن ملامحها المكفهرة أفصحت عمّا عجزت الكلمات عن قوله.
انتبه والدها، وألحّ عليها أن تبوح:
— هل أزعجكِ شيء في العمل اليوم؟
رفعت رأسها، وقالت بنبرةٍ مثقلة:
— نعم يا أبي… المقاول يصرّ على استخدام مواد رديئة، وعرض عليّ مبلغًا كبيرًا. رفضته.
ابتسم الأب، وفي عينيه ظلّ فخرٍ خافت، وقال:
— اثبتي على مبدئكِ. لا تقبلي بالفاسدين ولا بصفقاتهم المشبوهة. وأبلغي مديركِ.
في صباح اليوم التالي، دخلت إلى مكتب المدير العام. استقبلها بابتسامةٍ صفراء، كأنها قناعٌ يخفي ما تحته.
قال بلهجةٍ باردة:
— كل المهندسين والمقاولين يتعاونون… هذا أمر طبيعي. لا داعي لتعقيد الأمور.
ثم أضاف، بنبرةٍ تنزلق نحو التبرير:
— المقاول أدرى بالكلفة والمواد، ويسعى لإنجاز المشروع بسرعة. وأنتِ في بداية طريقكِ… تحتاجين إلى بناء مستقبلكِ. الهدايا بين الزملاء أمر وارد.
لم تُصغِ إليه. كانت قد علّمت نفسها أن لا تسمع إلا ما يستحق أن يُسمع.
عادت إلى غرفتها، فوجدت المقاول جالسًا قرب مكتبها، يتصفح دفتر الصكوك، وعيناه تلمعان بخبث.
اقتربت، ورمت الدفتر في وجهه قائلةً:
— أنا لستُ للبيع.
ابتسم بسخريةٍ جارحة، وقال:
— كلنا للبيع… لكل إنسان ثمن. أما الشرفاء… فهم في المقابر.
طردته من الغرفة، ومضت إلى موقع العمل، حيث أمرت بإيقاف العمل فورًا. لكن طلبها قوبل بالاستهزاء.
في تلك الليلة، خيّم الأرق عليها، كأن الليل صار مرآةً لقلقها، يقلبها بين خوفٍ وإصرار.
وفي الصباح، بينما كانت تنتظر السيارة التي تقلّها إلى العمل، توقفت قربها سيارة سوداء مظللة بلا لوحات. ترجل منها ثلاثة ملثمين، وأمطروها بالرصاص، ثم غادروا كما جاءوا—بلا أثر، بلا اسم.
انتشر الخبر سريعًا:
مقتل المهندسة المقيمة مريم عبد الواحد…
وانهيار مبنى سكني.
قُيّدت جريمة قتلها ضد مجهول،
وسُجّل انهيار المبنى على أنه نتيجة هزةٍ أرضية… لم تحدث أبدًا.
وهكذا، لم يكن الذي انهار حجرًا فحسب،
بل سقطت معه فكرة العدالة،
وتحوّل الحلم—في لحظةٍ واحدة—
إلى رماد.




