آخر الأخبار
ألثقافة والفن

المَقْعَدُ الأَخِير | حياه العبادي

المَقْعَدُ الأَخِير | حياه العبادي

كاتبة | سورية

 

على مسرح عرائسِ الدنيا يبقى الحمقى أَصحابَ أَدْوَارِ البُطُولَة. وللْمَقْعدِ الأخيرِ فضلُ النَّجاةِ من خُيوط التَّصْفيق الكاذب.

دَخَلْتُ المسرح متأخرة.

الصُّفوفُ الأَماميةُ كانت مُمتلئة بوجوهٍ لامعة تَحفظ الأدوار عَنْ ظَهْرِ قَلْب.

بَعْضُ الأَدْوَارِ تُكْتَبُ بِحِبْرِ الطَّاعَةِ، لَا بِحِبْرِ المَوْهِبَة.

تَصْفِيقٌ يَسبقُ الحركة، وابتسامات تُرْفَع وَتُخْفَض بخَيط لا نراه. البَطل يَصرُخ فيصفِّقُون. يَسْقُط فَيُصَفِّقُون. يُصَفِّقُونَ لِلسُّقُوطِ لِأَنَّهُ يُثْبِتُ أَنَّ الخَشَبَةَ حَقِيقِيَّة.

جَلَسْتُ في المَقعد الأَخير. لَيْس تَوَاضعًا، بل خَوفًا من أن يربِطني أَحدٌ بخيط. المَقْعَدُ الأَخِيرُ هُوَ الوَحِيدُ الَّذِي لَا تَدْفَعُ ثَمَنَهُ مِنْ حُرِّيَّتِك.

من هُنا تَرى الخشبةَ كاملة. ترى المُمَثِّل وهو يَتَلَعْثَمُ خلفَ السِّتارة، وتَرى يَدَ المُحَرِّك وهي تَرتجف.

تاج الورق لا يَصدُّ المطر، لكنَّه يَكفي لخداع الصفِّ الأَول.

سيْفُ الكلمة مِن خشب، وَالدَّمعَة قطرة من ذلك الجلِيسِرِين. الذي يَصنع دَمعةً مزيفة لمَشْهد بُكاء.

المَقعد الأَخير يُعلمك درسا لا يُدَرَّسُ في الصفوف الأولى.

أَن الشُّهرةَ أحيانًا ليست مكافأةً للموهبة، بل مُكافأةً للطّاعة.

الضَّوء الكاذب يصنعُ ظِلالًا أطولَ من أصحابِها. وأَن بعضَ البُطولات تُمنحُ لمن يُتقنُ السقوطَ في التوقيت الصَّحيح.

بطولتُهم مُسْتَعارة، وانطفاؤُهم مُؤَكَّدٌ حين يُسْحَبُ القابِس.

لَمْ أَنْدَمْ عَلَى تَأَخُّرِي. النَّجَاةُ فَضِيلَة.

مَنْ يَحْفَظُ الحِوَارَ جَيِّدًا، يَنْسَى أَنَّهُ لَمْ يَكْتُبْه. أن ترى اللُّعبةَ ولا تُشاركَ فيها شَجَاعَةٌ من نَوْعٍ آخَر. أَنْ تَرفُضَ أن تَكونَ دُميةً تَحفظُ الحوار، أو مُتفرِّجا يُصَفِّقُ على إيقاعٍ مُعَدٍّ سَلفًا.

الدُّمْيَةُ التي تَقْطعُ خيطَها، تُتَّهمُ بالجُنون.

في المَقْعَد الأَخِير، أَنْتِ حُرَّة. تُصَفِّقِين متى شئتِ، أو لا تُصَفِّقِين أبدا.

السِّتارةُ لا تُسدَلُ على المَسْرحية، بَلْ على عقولِ المُصَفقين.

في المقعد الأخير تَكْتُبِينَ نَصَّكِ الخاصّ بَدلاً من أَنْ تحْفَظي نَصَّهُم. وربَّمَا دَوْرُ البطُولَة الحقيقي أَنْ تَنْسَحِبِي من المَسْرَحيَّةِ كُلِّهَا.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى