آخر الأخبار
ألثقافة والفن

هندسةُ الظلّ الأخير | أمل عايد البابلي

هندسةُ الظلّ الأخير | أمل عايد البابلي

شاعرة | عراقية

 

لم يكن هناك ما يمكن تسميته بداية.

فقط كانت الأشياء تُمحى قبل أن تُوجد،

ويُعاد ترتيب الغياب

كما الذاكرة المغلقة

في مكانٍ لا يحتمل الانغلاق،

تعلّمت فكرةٌ عمياء

كيف تُنصت لما لم يُفكَّر به بعد،

وكيف تستخرج من الأحلام

نُسخًا غير مكتملة

لوقائع لم تحدث.

الأسماء؟

مجرّد ضوضاء تحاول أن تُقنع الصمت

بأنه مفهوم.

الحكاية؟

شقّ صغير في جدارٍ

يُعاد بناؤه كلّما اقترب منه الفهم.

السرّ ليس ما يُخفى.

السرّ هو ما يتحرّك بيننا

بلا جسد،

يبدّل مواقعنا

دون أن يلمسنا.

كلّ واحدٍ منّا

يحمل شظيّةً دقيقة

من انهيارٍ واسع،

ثم يمشي

كأنّ الأرضَ فكرةٌ مستقرة.

ليس كذباً…

بل ترتيبٌ مُتقن

للفراغ داخل الوعي.

حين تلاقى الاستخراجُ مع التجميع،

لم يظهر شيء

بل انحنى الواقع قليلًا،

كمن يتذكّر خطأً

ثم يقرّر أن ينساه إلى الأبد.

الحقيقة؟

ليست قولًا

إنها جهازٌ هشّ،

لو سُمِع صوته كاملًا

تكسّرت اللغةُ على نفسها.

لا أحد بريء

هذه صيغة بدائية للطمأنينة

ولا أحد مذنب وحده

هذه محاولة فاشلة

لعزل العاصفة في جسد.

الصحيح:

الذنب منتشرٌ كالرطوبة

في جدران لا نراها،

ومخفيّ كالنَّفَس

في صدرٍ لا يعترف بأنّه يتنفس.

المجتمع

ليس ما نظنه تعايشاً،

بل اتفاقٌ صامت

على إبقاء الأبواب نصف مفتوحة،

كي لا يدخل الضوء كاملاً

ولا يخرج الظلّ.

كلّ معرفةٍ ناقصة

قابلة للحياة

كلّ معرفةٍ مكتملة

تشبه السقوط من داخل الرأس.

ما نسمّيه ضميراً

ليس إلا كائناً زجاجياً

يراقب مستوى الانكشاف،

ويرتجف

كلّما اقتربت الحقيقة من شكلها النهائي.

وما نسمّيه قانوناً

هو فنّ توزيع العتمة،

بحيث يحصل كلّ واحدٍ

على حصته العادلة

من الغموض.

لو انفتحت كلّ الطبقات،

لن يُدان أحد،

لأن الجميع سيغرق في المصدر نفسه،

ولن يُغفر لأحد،

لأن الغفران يحتاج مسافة،

وهناك…

لن تبقى مسافات

سيسقط المعنى،

لا كخسارة،

بل ككشفٍ متأخر

أنه كان قائماً

على سوء فهمٍ منسّق.

لهذا، لا يُقاوِم الخفاء.

بل يُدار.

لا كخلل،

بل كعمودٍ فقريّ

لما نسمّيه واقعاً.

وفي عمقٍ لا يصل إليه الإدراك،

تستمرّ العملية:

تفريغُ ما لا يُحتمل،

وتجميعُ ما لا يُقال،

داخل نظامٍ

لا يحتاج إلى شهود.

ليس لأن الحقيقة بعيدة،

بل لأنها

إذا اقتربت أكثر…

ستُبطل

إمكانية النجاة منها.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى