سلام مسافر… صوت الصحافة العراقية من العمارة إلى موسكو.

في مسيرة الصحافة العراقية أسماءٌ تركت بصمتها خارج حدود الوطن، فحملت همَّ الكلمة الحرة إلى العالم، وكان من بين هذه الأسماء البارزة الإعلامي والصحفي العراقي سلام مسافر، الذي امتدت رحلته المهنية من جنوب العراق إلى عواصم أوروبا، ليستقر في النهاية في العاصمة الروسية موسكو. وقد استطاع عبر عقود من العمل الإعلامي أن يكون شاهدًا على أحداث كبرى وتحولات سياسية وثقافية، مسخّرًا خبرته الصحفية في نقل الصورة وتحليلها بوعيٍ مهني عميق.
وُلد سلام مسافر عام 1950 في مدينة العمارة بمحافظة ميسان، ونشأ في بيتٍ عُرف بالوجاهة والمكانة الاجتماعية والثقافية؛ إذ كان والده من وجهاء المدينة ومن أبرز مثقفيها في ذلك الوقت، وقد عُرف بمكانته بين أبناء العمارة وبحضوره في الوسط الثقافي، إلى جانب شخصيات أدبية بارزة مثل الشاعر والقاص خليل رشيد. وقد أسهمت هذه البيئة الغنية بالوعي والمعرفة في تشكيل شخصية سلام مسافر، وغرست فيه مبكرًا حب الثقافة والاطلاع.
التحق بكلية الآداب في جامعة بغداد، قسم الإعلام، حيث تلقى دراسته الأكاديمية وتعرّف على أسس العمل الصحفي. وبعد تخرجه بدأ مسيرته المهنية في الصحافة العراقية، فعمل في صحيفة الجمهورية لسنوات طويلة، وكان من بين الصحفيين الذين سعوا إلى تقديم الكلمة المهنية بعيدًا عن الاصطفافات الحزبية.
لكن الظروف السياسية التي شهدها العراق آنذاك دفعت النظام السابق إلى إبعاد الصحفيين غير المنتمين للحزب الحاكم، فكان سلام مسافر ضمن مجموعة من الصحفيين الذين شملهم الاستبعاد من العمل الصحفي. ومع تصاعد الملاحقات والاعتقالات، اضطر عام 1978 إلى مغادرة العراق بحثًا عن فضاء أوسع يمكّنه من مواصلة مسيرته الفكرية والمهنية.
بدأت رحلة الاغتراب التي قادته إلى أوروبا، ثم انتهى به المطاف في روسيا، حيث واصل دراسته العليا في جامعة موسكو الحكومية، كلية الصحافة. هناك تعمّق في علوم الإعلام وحصل على شهادة الدكتوراه في الصحافة، ليجمع بين الخبرة العملية والدراسة الأكاديمية المتخصصة.
وخلال إقامته في موسكو، واصل نشاطه الصحفي مراسلًا وكاتبًا لعدد من الصحف ووسائل الإعلام، إلى أن أصبح أحد الوجوه الإعلامية المعروفة في القناة الدولية شبكة روسيا اليوم الناطقة باللغة العربية، حيث عمل مذيعًا ومحللًا سياسيًا، وقدم برنامج “قصارى القول” الذي يناقش القضايا الدولية والإقليمية بأسلوب تحليلي رصين.
وعلى الصعيد الشخصي، استقر سلام مسافر في موسكو وتزوج من امرأة روسية، وله منها ولد وبنت، لتصبح حياته مزيجًا من الثقافتين العربية والروسية، في تجربة إنسانية تعكس مسيرة صحفي عاش بين حضارتين ونقل خبراتهما إلى جمهوره العربي.
إن سيرة الإعلامي سلام مسافر تمثل نموذجًا لرحلة الصحفي العراقي الذي حمل قلمه خارج حدود الوطن دون أن يفقد انتماءه له. فمن مدينة العمارة التي شهدت مولده ونشأته في بيتٍ ثقافي عريق، إلى موسكو التي احتضنت مسيرته الإعلامية، ظل صوته حاضرًا في فضاء الإعلام العربي، شاهدًا على التحولات الكبرى ومساهمًا في إثراء الحوار الإعلامي والسياسي. وهكذا تبقى تجربته مثالًا على أن الكلمة الصادقة قادرة على عبور الحدود، وأن الصحافة الحقيقية هي رسالة تتجاوز الجغرافيا والزمن.




