آخر الأخبار
ألمقالات

مرايا الآخرين

 

كتب رياض الفرطوسي

ما الذي يجعل الإنسان يتوقف فجأة أمام مرآة ما ويشكّ في صورته؟ ليس المقصود مرآة الزجاج، بل تلك التي يحملها الآخرون، ويمدّونها نحوه دون دعوة، فيرى فيها ملامحه وقد أعيد تشكيلها بأصابع ليست أصابعه، ونوايا لا تشبهه. إن الوصم ليس مجرد حكم قاسٍ يصدره المجتمع، بل هو عدسة قسرية تُفرض على الفرد في لحظة ضعفه، فتجعل رؤيته لذاته مشوشة، مجروحة، ومعتمة. في مجتمع مثقل بالتشوهات، يصبح الإنسان صورة عامة، مشروعاً مفتوحاً للتعليق، والتعديل، والتقزيم، وغالباً ما يُطلب منه أن يختار بين ذوبانه في الآخرين أو نفيه الكامل عنهم، وكأن لا وجود للذات إلا بشرط التماهي أو التمرد.

وفي زمن تتكاثر فيه الأصوات أكثر من الأذهان، وتتصدر الوجوه أكثر من الأفكار، تصبح نظرة الآخر سلطة، وحكمه محكمة، وصوته مرجعية تقرر ما إذا كنت “كافياً” أو لا. هذه النظرة ليست بريئة. أحياناً تنبع من جهل، من سذاجة لا تعرف تعقيد النفس البشرية، أو من سطحية لا تحتمل الغور في العمق، وأحياناً، وللأسف، من خبثٍ يرغب في تحويل الآخر إلى مجرد صدى، أو مرآة عاكسة، أو ظلٍّ يتبع. كم من فنان طمس ملامحه خوفاً من سخرية عابرة؟ وكم من كاتب أغلق دفتره لأن من حوله لم يفهموا حرفاً واحداً؟ لقد صار بعضنا لا يثق بنفسه إلا بمقدار ما يوافق عليه الآخرون.

لكن، من قال إن الآخر مرآة عادلة؟ ومن قال إن صورته عني تطابق حقيقتي؟ بل من يملك الحقيقة أصلاً؟ أليس الإنسان أعمق من أن يُختزل في انعكاس؟ أليس كل واحد منا يحمل داخله أرشيفاً من الوجوه، بعضها اختاره وبعضها فُرض عليه قسراً، حتى بات لا يعرف أيها وجهه الأصلي؟ وهل للذات وجه واحد في الأصل، أم هي كيان يتشكل ويتغير ويتذبذب، كلما تغيرت المسافة بينه وبين الآخر؟

يقول الفيلسوف الدنماركي كيركغارد: “أن تكون ذاتك، معناه أن تقف وحدك، في مواجهة عالم يريدك نسخة عنه”. وهنا المأزق؛ فكلما حاول الإنسان أن يصون صورته الخاصة، ظهرت له صور أخرى، مشوهة، مفبركة، تُعرض عليه وكأنها انعكاسه. وفي المجتمعات القمعية، حيث تُخنق الهويات ويُخدش الحس الفردي، تغيب مرجعية الذات، فلا يبقى للفرد سوى ما يقوله عنه الناس، أو ما يصمونه به. إنهم يضغطون على الإنسان ليتماهى، وإلا وُصم بأنه شاذ، مريض، غريب، وربما خطر.

الذات هنا لا تتكون، بل تتفتت. ففي كل علاقة يخوضها الإنسان مع محيطه، يترك قطعة من صورته أو يأخذ قطعة من صورة غيره، حتى يغدو مزيجاً غريباً من الانعكاسات، لا يُعرف إن كانت صورته أم صورة أُسقطت عليه. في ظل هذا الارتباك، تصبح الثقة بالنفس فعلاً وجودياً، لا شعوراً عادياً. تصبح عملاً من أعمال المقاومة. فأن تكون أنت، في زمن يُطلب فيه منك أن تكون “كما يريدون”، هو شجاعة نادرة.

ولذلك، فإن الفن، والأدب، والسياسة، وحتى الحياة الشخصية، تحتاج إلى عمق حقيقي، لا ذلك العمق المصنوع بحسب “ذوق الجمهور”، بل العمق الذي ينشأ من الصمت، من المراقبة، من العزلة، من التمرد الذكي على الصور الجاهزة. إن الكاتب أو الاديب الذي يفقد الثقة بذاته، يبدأ بكتابة ما يُرضي الآخرين لا ما يُشبهه. يصبح خاضعاً للنقد، لا بمعناه الإبداعي، بل بوصفه سلطة تصنع من “الذوق العام” سوطاً يُجلد به كل من يجرؤ على التفكير بشكل مختلف.

ما أقسى أن يتحول الإنسان إلى مشروع يقرأه الجميع، ويكتب فيه الجميع، دون أن يُسمح له أن يكتب عن نفسه. وما أصعب أن يبحث عن صورته الحقيقية في مئات العيون التي تنظر إليه، وهو لا يجد فيها إلا تشوهاته. ولهذا، فإن معركة الإنسان المعاصر ليست في أن يُفهم الآخرين، بل أن يفهم نفسه، ويصونها، ويحافظ على صورتها الداخلية، ولو كانت هشّة، ولو كانت وحيدة. فهناك دوماً في هذه العزلة التي نظنها هزيمة، فرصةٌ لصياغة الذات من جديد.

الناس لا يرونك كما أنت، بل كما هم. يخلطون بينك وبين ماضيهم، وندوبهم، وأحكامهم، ومخاوفهم. يسقطونك في مرآة الذات، لا بوصفك أنت، بل بوصفك “آخرهم”. ولذا، فإن أعظم ما يمكن أن يمتلكه المرء في هذا الزمن، هو الوعي بأن صورته الحقيقية لا تقف في المرآة، ولا تتجلى في حديث الآخرين، بل تنمو في صمته، وتتشكل في خياله، وتنبض في وحدته، وتختبئ أحياناً في مكان لا تصل إليه يد أحد، ولا حتى عينه.

هكذا فقط، حين نَفصِل بين ما نراه في أعين الآخرين وما نعرفه في أعماقنا، تبدأ الذات بالتكوّن. تبدأ الحقيقة، لا في أن تُرى، بل في أن تُعاش.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى