آخر الأخبار
ألثقافة والفن

تشذيبٌ حتى النزف | كوثر علي 

تشذيبٌ حتى النزف | كوثر علي

كاتبة وشاعرة | عراقية

 

عزيزي،

اليوم وقفتُ لمدة طويلة تحت الماء البارد.

فكّرتُ بأشياء كثيرة، وتمنّيتُ لو أن برودة الماء تصل إلى أعمق جزءٍ من روحي.

تخيّلتُ نفسي كشجرة عظيمة تنمو في نهر الفرات، ولا تُزاح من مكانها رغم قوة التيار…

ثم تذكّرتُ كلام الذكاء الاصطناعي عن نصوصي، عندما سألتُ رأيه في كتاباتي.

قال إنني أعاني من القسوة.

بعدها تذكّرتُ أستاذي؛ هو كذلك نعتني بهذا الشيء، وقال إنني أعاني من القسوة، وأكثر ما تكون باتجاه نفسي.

ثم أخي عندما قال لي:

“أكره تصرّفاتكِ لأنها تذكّرني بتصرّفات أخينا الراحل.”

وأنا كذلك أكره شبهي به، لكنني أشبهه كثيرًا، دون إرادتي.

هل تعرف؟

أنا أعرف عيوبي أكثر من محاسني، والعيوب والنقائص التي خُلقتُ بها أحبّها جدًا.

أرى نفسي مزيجًا بين مثالية وهشاشة، وهذا الشيء يذكّرني كم أنا إنسانة؛ لهذا السبب أحبّها جدًا.

أما الأشياء الأخرى، كروحي ومشاعري، فأتعامل معها كحدائقي.

أنظر إليها كأغصان متشابكة تحتاج إلى تشذيب؛ لهذا السبب أحمل مقصًّا وأبدأ بتشذيب الغصون.

تصرخ روحي وتنزف، وأنا لا أهتم.

ثم أراها في المرآة وأقول لها:

انظري إلى نفسكِ، كم أصبحتِ جميلة.

تبكي روحي، لكنها تهدأ عندما ترى جمالًا.

والغريب، رغم كل هذه الوحشية التي أتجه بها نحو نفسي، ما زلتُ رحيمة جدًا، كأن النزف هو سبب استمرار رحمتي.

هل تعرف لماذا أصبحتُ جرّاحة؟

هذا أحد الأسباب.

أنا أبحث عن المثالية، عن الشفاء الذي يحصل بعد إزالة آفة.

أنا لا أخاف من الموتى.

أنظر إليهم كل يوم ببرود وحسرة، وأسأل نفسي:

هل عاشوا كما يجب؟

هل جلب لهم الموت راحة؟

ألمس ملامحي تحت الماء، عيناي مغمضتان، لكنني ما زلتُ قادرة على رؤيتك.

سألتني: لماذا لا أحبّها؟

قلتُ لك: لأن شيئًا ما، كشيطان، يسكن داخلها ويربّي فراخه في روحها.

مهما حاولتُ، ورغم براءة ملامحها، لا تُخفي هذا الشيء.

ثم تذكّرتُ كلامك عندما قلتَ:

“هي شيء ثقيل على قلبي، لستُ قادرًا على الخلاص.”

أنا أعرف سبب هذا الثقل يا عزيزي؛

أنت جزءٌ من تلوينها بهذا السواد، وهذا ما يثقل قلبك.

هل تحب أن تعرف كيف أراك وعيناي مغمضتان؟

أراك كائنًا بلا ملامح.

الحرب والطيش والألم أخذوا ملامحك بالكامل، حتى صرتَ تبحث عن ملامحك بين نصوص الجميلات.

هل تتذكر عندما قلتَ إنك تريد أن تعيش بداخلي؟

رأيتك كشيطان؛

ذلك الشيء الذي لا يعرفه كثير من الناس:

شيطان كان يعرف أن العذاب أصبح أمرًا حتميًا في قدره،

لكنه أراد أن يعيش خلوده في بشرٍ أحبّه الله.

هل تشعر بالندم؟

لا، أنت لا تشعر بالندم.

أنت تكره.

أنا آسفة جدًا.

حاولتُ كثيرًا أن أتعامل معك كطبيبٍ يعيد ملامحك بالعمليات،

لكنني اليوم أنظر إليك، أرى أنني قد خلقتُ ما خلقه فرانکشتاین:

كائنًا مشوّهًا.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى