آخر الأخبار
ألثقافة والفن

من هو المبدع؟ | فاتن متولي حسانين

من هو المبدع؟ | فاتن متولي حسانين

كاتبة | مصرية

 

في اعتقادي البسيط المتواضع، هو كل من امتلك أدوات الموهبة في مجال إبداعي ما.

على سبيل المثال لا حصر: فنون وأنواع الكتابة، والرسم، والتمثيل الغناء، المصمم، الابتكارات العلمية والفنية وما شابه. لكن أخص هنا بالذكر فن الكتابة الإبداعية، والتي لا تدر على المبدع مالًا أو تقديرًا من الجهات المعنية بإبراز مجهودات الكاتب.

فيظل الكاتب يعتصر ألمًا من خلال عدم التقدير، والإحساس بالدونية من تلك الجهات الرسمية؛ فإما أن ينعزل، ويغض الطرف عن مغازلة تلك الجهات المعنية، ويعكف على إبداعه، أو يكف تمامًا عن الكتابة ويكتفي بالمشاهدة من بعيد. وللعلم، عرفت مبدعين كُثر تركوا مهنة الكتابة كحرفة باخسة الثمن، واتجهوا لأعمال تدر عليهم دخلًا يضاهي ارتفاع الأسعار المُرهِق. أو يظل بين بين، يمسك العصا من المنتصف؛ يهاجم مرة، ومرة يهادن، علّ وعسى تلك الجهات المعنية تضع في عيونها قطرة ملح وتنظر إلى هذا المبدع الفذ الذي لن يتكرر.

إلى أن يحدث، وتقرر تلك الجهة تكريمه أخيرًا بشهادة تقدير وسط مسرح عريض، والشهادة مختومة بخاتم النسر؛ لقد أخذ صكًا شرعيًا بأنه أخيرًا “مبدع دولة”! وعلى كل المبدعين تهنئته على صفحات التواصل الاجتماعي، وهو بصحبة الوزير الفلاني والعلاني. وقد يتطور الأمر إلى أن يغير صورة البروفايل، لجعلها حصوة في عين الله — شافه وما صلاش على النبي—.

تكبر التطلعات والأعمال؛ فتارة يأخذ منحة، وتارة يتودد للفوز بجائزة. قد يأخذها بالفعل، وقد يأخذها في جنات النعيم! وعندها تجد منشورات “فيسبوكية” لاذعة: من يشتم، ومن يسب في تلك الجهات، ومن يتصعب، ومن يتدمع، ومن يتشنّف، ويصبّون جام غضبهم على هؤلاء الذين جعلوا من المبدع شحاذًا ومسكينًا. وهم أول من زجّوا بنا في تلك الهوة السحيقة.

المبدع ليس كذلك. المبدع أولًا وأخيرًا موهبة أثقلتها الدراسة، والتجارب الحياتية والثقافية التي مرّ بها. المبدع الحقيقي هو من وجد مشروعًا وانكبّ عليه، أو رسالة عاش لأجلها. المبدع ليس متسلقًا أو تابعًا أو طامعًا. المبدع الحقيقي هو الذي يعرف نفسه، لا يطلب جائزة، ولا يرسل بتوصية من أحد لكي يحصل على جائزة ما، أو منحة ما، أو أية عطايا مادية أو معنوية.

مع العلم لكل المثقفين أن موضوع الجوائز هذا له طرق أخرى كثيرة، سنتطرق لها لاحقًا.

لكن ما أحببت أن أقوله: المبدع، في الأول والآخر، إنسان. المفترض أن له وظيفة أو عملًا يشتغل به، لا أن يكون “مبدعًا فقط”، كي لا يحتاج لأحد؛ إذ لا يمكن أن تكون الكتابة كافية لأن تفتح بيته، ويقوم بمسؤولياته لأسرته ولمجتمعه.

يحدث أن تكون الكتابة، كمحترف، مهنة تدر مالًا وفيرًا للمبدع، لكن كم بالمئة من هؤلاء المتحققين؟

هذا ما أردت إيصاله: لا تكون مبدعًا شحاذًا، ولكن كُل من عرق جبينك. لا شحاذا من إبداعك، ولا تبيعه بثمن بخس فتذروه الرياح. فكن مبدعًا بتصرف.

يكن لك مشروعًا دون انتظار الوقت، ودون انتظار الثناء. خذ من المبدعين الكبار عظة في مشوارهم الأدبي؛ لم يلتفتوا للتقييم والتنقيب عن حروب وهمية، أو علقوا فشلهم على المجتمع والزمن. كل إنسان على نفسه بصير، ولو ألقى معاذيره. أنتم أصحاب الكلمة، أنتم أهل الفكر والاستشراف النقي، كونوا كذلك حتى نجد في مجتمعنا مرة أخرى أحمد شوقي، طه حسين، صلاح عبد الصبور، ونجيب محفوظ وغيرهم… أن فقط حددنا من نحن، ومن نكون.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى