يحيى الشيخ… رحلة الإبداع بين الريشة والكلمة

يحيى الشيخ… رحلة الإبداع بين الريشة والكلمة.
……………………………………………………..
من جنوب العراق، حيث تمتزج زرقة الأهوار بذاكرة التاريخ، بزغ اسم الفنان يحيى الشيخ بوصفه أحد الأصوات الإبداعية التي لم تكتفِ بمسارٍ واحد، بل جعلت من الفن والأدب معًا فضاءً رحبًا لتجربتها. وُلد في مدينة قلعة صالح بمحافظة ميسان عام 1945، حاملاً منذ بداياته ملامح مشروع فني مختلف، تشكّل عبر الدراسة والتجربة والسفر، ليغدو لاحقًا واحدًا من الأسماء التي تركت بصمة واضحة في فن الكرافيك والتأليف الأدبي على حدّ سواء.
تخرّج يحيى الشيخ من أكاديمية الفنون الجميلة في بغداد عام 1966، قبل أن يشدّ الرحال إلى أوروبا، حيث نال درجة الماجستير في فن الجرافيك (الطباعة اليدوية) من أكاديمية الفنون في لوبليانا عام 1970. ولم تتوقف رحلته العلمية عند هذا الحد، بل واصل بحثه المعرفي ليحصل على دكتوراه في علوم الفن من معهد نظريات الفن في موسكو عام 1984، ما أضفى على تجربته عمقًا فكريًا ونظريًا انعكس بوضوح في أعماله.
في ميدان العمل، اشتغل مصممًا في وزارة الإعلام، حيث قدّم إسهامات لافتة في تصميم أغلفة الكتب، متعاونًا مع نخبة من أبرز الأدباء والشعراء العراقيين، مثل الجواهري وبلند الحيدري وعبد الوهاب البياتي وعبد الرزاق عبد الواحد، فضلًا عن آخرين. وقد عكست تلك الأعمال حسًا بصريًا عاليًا، وقدرة على تحويل النص الأدبي إلى خطاب تشكيلي موازٍ.
أقام أول معرض شخصي له في بغداد عام 1971، لتتوالى بعد ذلك معارضه في عواصم متعددة، حيث تجاوز عددها خمسةً وعشرين معرضًا في بلدان عربية وأوروبية، منها لبنان والأردن وسوريا وتونس وفرنسا وبريطانيا وفنلندا والنرويج. كما شارك في معارض دولية للكرافيك والبوستر في عدد من الدول، مؤكدًا حضوره العالمي وتميزه في هذا الحقل الفني.
ولم يكن يحيى الشيخ فنانًا تشكيليًا فحسب، بل امتد عطاؤه إلى عالم الأدب، حيث كتب القصة والرواية والشعر والمسرح. بدأ بإصدار قصة للأطفال بعنوان “الذهب” عام 1985، ثم توالت أعماله التي تنوّعت بين السيرة الذاتية مثل “سيرة الرماد”، والنصوص الفكرية كـ”مبررات الرسم”، إلى جانب مجموعته القصصية “ساعة الحائط”، وروايتيه “بهجة الأفاعي” و”الشوق”. كما أصدر ديوانين شعريين هما “أنزل النهر مرتين” و”مزامير يحيى”، فضلًا عن مسرحيته “الدسيسة”. وفي مجال الفن، قدّم كتابه “الغايات”، الذي يعكس رؤيته الجمالية والفكرية.
إلى جانب ذلك، أنجز عددًا من المخطوطات المصوّرة، منها أعمال مستوحاة من نصوص شعرية، فضلًا عن مشروعه الخاص “بريد البلاد” الذي خصصه لانتفاضة تشرين 2019، في تعبير بصري وإنساني عن لحظة تاريخية مفصلية.
تميّزت تجربة يحيى الشيخ بالتنوّع والتحوّل المستمر، إذ لم يستقر في قالب واحد، بل ظلّ ينتقل بين الحقول الإبداعية، باحثًا عن أشكال جديدة للتعبير. وقد أشار الناقد سهيل سامي نادر إلى هذه السمة، حين وصف تجربته بأنها سلسلة من التحولات التي تشبه “ولادات متتالية”، يرافقها قلق معرفي ووعي حاد، يتجلّى في أعماله الفنية والأدبية. ففي كل انتقال، كان الفنان يعيد تشكيل ذاته، ساعيًا إلى اندماج عميق مع العالم، يصل أحيانًا إلى ما يشبه الفناء الصوفي في الأشياء.
لقد اشتغل يحيى الشيخ أيضًا في التدريس الأكاديمي، متنقّلًا بين ليبيا والنرويج، حيث واصل عطاؤه في مجال تعليم الفن ونظرياته حتى تقاعده عام 2012، تاركًا أثرًا في أجيال من الطلبة الذين نهلوا من خبرته وتجربته.
إن تجربة يحيى الشيخ ليست مجرد سيرة فنان، بل هي حكاية بحث دائم عن المعنى، وعن لغة قادرة على احتواء القلق الإنساني والجمالي معًا. بين الريشة والكلمة، وبين اللوحة والنص، رسم لنفسه مسارًا متفردًا، يؤكد أن الإبداع الحقيقي لا يعرف حدودًا، وأن الفنان القلق هو وحده القادر على إعادة اكتشاف العالم في كل مرة.**



