حصون الخوف : السلطة كدرعٍ ضد المساءلة

حصون الخوف : السلطة كدرعٍ ضد المساءلة
كتب رياض الفرطوسي
تنقلب الآية حين يتحول “السياسي” من مهندسٍ للمجتمع إلى حارسٍ لخزنته، ليصبح الاستمرار في الحكم ليس شغفاً بالقيادة، بل هروباً مذعوراً من الحساب. إن التناقض الصارخ بين “الحلم” بوصفه طوباوية نقية و”الدولة” بوصفها جهازاً للإكراه والمناورة، يضعنا أمام تشريحٍ عميق لسيكولوجية الفاسد الذي لم يعد يرى في السلطة أداة للتغيير، بل “سترة نجاة” في بحرٍ من الجرائم المالية والسياسية. في هذا السياق، لم يعد التمسك بالكرسي نابعاً من “إرادة القوة” بمفهوم فريدريك نيتشه، بل هو نتاج “غريزة البقاء” في أرذل صورها؛ فالفاسد الذي تضخمت إمبراطوريته خلف البحار يكره ضجيج السياسة وبروتوكولات الدولة، لكنه يقدس “الحصانة” التي توفرها له، مدركاً أن لحظة ترجله عن صهوة الحكم هي اللحظة التي تفتح فيها أبواب الزنازين، أو ربما المقاصل.
لقد وصف ميشيل فوكو السلطة بأنها شبكة من العلاقات، لكن الفاسد يحولها إلى “شرنقة” عازلة. هو لا يمارس السياسة بل “اللا سياسة”، محولاً الفضاء العام إلى صفقة كبرى تحت الطاولة. هذا التحول الوجودي، خاصة لدى المناضلين السابقين الذين سقطوا في فخ “الوليمة الكبرى”، يفسره مفهوم “الاغتراب” عند كارل ماركس بشكل معكوس؛ فالسياسي هنا يغترب عن مبادئه وعن شعبه، ليصبح عبداً لثروته التي لا يحميها قانون، بل تحميها “بلطجة” المنصب. إن هؤلاء الذين كانوا يتحدثون باسم الفقراء، ثم صاروا يكدسون الرواتب والمزايا بعناوين وهمية، يعيشون “انقساماً في الشخصية” بين خطاب وطني رنان وواقع متعفن، وهو ما يسميه علماء النفس “التنافر المعرفي” الذي يُعالج بالهروب نحو الرموز، أو تخوين المعارضين، أو المزايدة في حب الوطن لتغطية رائحة الصفقات المشبوهة.
إن الخوف من “العراء المخيف” خارج جنة السلطة هو المحرك الحقيقي لهذا الدفاع الانتحاري عن الموقع. فبينما يرى السياسي النزيه في التقاعد عودةً لدفء الحياة المنزلية وراحة الضمير، يرى الفاسد في مغادرة مكتبه طرداً من الفردوس نحو الجحيم. هنا تبرز رؤية ماكس فيبر حول “السياسة كمهنة”، حيث يتحول العيش “لأجل” السياسة إلى العيش “من” السياسة. وبالنسبة لهذا الطراز من الحكام، تصبح الدولة مجرد “غطاء أمني” لشبكة مصالح معقدة تضم الحرس والقضاة الموالين. إنهم يكرهون الجيش والشرطة كأدوات لإنفاذ القانون، لكنهم يعشقونها كدروع بشرية تمنع وصول “العدالة” إليهم. السياسة في عرفهم هي قناع لصراع غرائزي حول الثروة، والوطنية هي “الملاذ الأخير للأشرار” كما قال صمويل جونسون، حيث تُستخدم كستار دخاني بينما تُنهب الدولة في صمتٍ مريب، مخلفين وراءهم وطناً يُدار بعقلية “حقل الدواجن”، حيث المتعة الوحيدة المتبقية هي لذة التسلط السادي قبل انفجار البركان.




