موسيقى الأنامل | صفاء أبو صبيحة

موسيقى الأنامل | صفاء أبو صبيحة
شاعرة وكاتبة | مصرية
كعازفٍ تجيد أنامله الرقص على البيانو، كان ينقر على هاتفه. ترك رأسه يميل إلى زجاج الشباك وبدا لي في حالة نعاسٍ تقريبًا. رأيتُ انعكاس يده فقط في مرآة “الميكروباص”.
كانت أنامله الرشيقة البيضاء تحمل شيئًا من الرقة والأنوثة؛ مما جعلني أمعن النظر والتركيز. وتأكدتُ؛ كان رجلًا، ولكن يده التي خرجت من ذراعه كان لها شأن غريب، وكأنها ليست ملكه، بل لُصقت به لِصقًا.
في ليلة شتوية هادئة، تمنيتُ لو امتد طريق “المنصورة – ميت غمر” ليصير أطول، أو يمشي الوقت أبطأ، حتى تشبع عيني من موسيقى الأنامل. كان يضغط هنا بسبابته، وهناك بإبهامه، وتارة بالخنصر وأخرى بالوسطى، بهدوء ونعومة جعلتني أحار في أمر تلك الأنامل الشفافة.
تساءلتُ بيني وبين نفسي: هل يكتب رسالة حب لإحداهن؟ أم يتصفح “الفيسبوك”؟ أم أنه فقط كان يلعب لعبة تحتاج إلى مرونة في حركات الأصابع؟ احتمالات كثيرة كانت تروح وتجيء في عقلي ولم تتوقف أبدًا.
كنتُ عائدة في طريقي بصحبة الأصدقاء، غير أنني كنتُ أنانية، فلم أصحب معي أحدًا في خيالي اللذيذ.. فكرتُ في اللوحات التي أحب حفظها في استوديو هاتفي، واكتشفتُ بالصدفة كيف يحتوي أغلبها على أيادٍ مرسومة في وضعيات مختلفة. أحب اللغة التي تتحدث بها يد إلى أخرى في وضع الالتحام، أو عندما تربتُ على ظهر أختها، وفي لغات أخرى شديدة الحساسية عندما تتحدث يد إلى يد مَن تحب.
لم يثرني أي فضول لمعرفة كيف تبدو ملامح وجه هذا الشخص، وما إن كانت قد أخذت نصيبها من هذه الشفافية أم لا.. لم أهتم سوى بالموسيقى الآتية من نقر الأنامل، في الوقت الذي كانت تتماهى فيه مع الصوت المتسلل بخفة من سماعات الأذن:
“قديش كان في ناس ع المفرق تنطر ناس”
وهو الذي لم ينظر وراءه، كان يعزف لي وحدي في مرآة السيارة الأمامية.
وما بين “واللي ذكر كل الناس بالآخر ذكرني”..
و”نزلني هنا يا اسطى”
لا أدري كيف تقشر العالم الحريري الذي أحاطتني به الموسيقى، ولا أدري كيف انطبعت نظرتي في يده، أو كيف ترك حركة أنامله في عيني لتعزف لي حتى نهاية الطريق.




