آخر الأخبار
ألمقالات

العراق: دولة تحت الاختبار الحلقة الرابعة: مخاض “تشرين”.. صراع المعنى وسؤال المواطنة القلقة

العراق: دولة تحت الاختبار
الحلقة الرابعة: مخاض “تشرين”.. صراع المعنى وسؤال المواطنة القلقة

كتب رياض الفرطوسي

في مطلع تشرين الأول من عام 2019، لم يكن المشهد مجرد احتجاجات عابرة، بل كان تجلياً لظاهرة سوسيولوجية عميقة هزت سكون النموذج الذي استقر بعد عام 2003. خرج آلاف الشباب، لا لتقويض الكيان، بل بحثاً عن “الوطن” داخل خارطة المؤسسات، في صرخة اختزلتها عبارة “نريد وطناً”. هذه الصرخة لم تكن استهدافاً لأشخاص، بل كانت، كما يحللها معهد “تشاتام هاوس”، تعبيراً عن “فجوة إدراكية” بين جيل رقمي جديد وبين بنية سياسية تحاول التكيف ببطء مع تحولات العصر.

إن القراءة النقدية لهذا الحراك تضعنا أمام إشكالية “ديمقراطية التعبير” مقابل “فاعلية التأثير”؛ فبينما يرى البعض في اتساع مساحة القول دليلاً على الصحة السياسية، يرى مفكرون آخرون أن الحرية التي لا تُنتج أثراً مؤسساتياً ملموساً قد تتحول إلى نوع من “تفريغ الشحنات العاطفية” التي تستهلك زخم التغيير دون ملامسة جوهر العلة. وهنا تبرز ملامح ما يمكن تسميته بـ “نظام الضواحي”؛ حيث تنشأ علاقة ملتبسة بين المركز والضواحي، تتسم بنوع من “اللامبالاة الباردة” تجاه التحولات الكبرى، مما يؤدي إلى تراكم “الحريق الهادئ” الذي لا يلتفت إليه الكثيرون إلا بعد فوات الأوان.

لقد كانت تشرين “حدثاً” بامتياز، لكنها واجهت تحدي التحول من “العاطفة الجياشة” إلى “الأيديولوجيا المنظمة”. وبحسب الباحث “توبي دودج”، فإن أحد ملامح الاختبار العراقي هو هذا الانفصال بين طموح الشارع وبين “المرونة البيروقراطية” للنظام الذي يمتلك قدرة عالية على امتصاص الصدمات عبر حلول شكلية لا تمس “الجهاز العصبي” للمحاصصة. إن التركيز على سطح الحدث غالباً ما يغفل القصة الأعمق: وهي تفتت السلطات إلى “سلط فرعية” تجعل من عملية الإصلاح الإداري والسياسي تبدو وكأنها جراحة في جسد يرفض الالتئام.

إن الاختبار الذي نعيشه اليوم ليس في قدرتنا على الاحتجاج، بل في قدرتنا على بناء “وعي مؤسساتي” يتجاوز ردات الفعل اللحظية. فالتوقف عند لحظة الحدث كبداية وحيدة يغفل مساراً طويلاً من “المحو الهادئ” للمقدرات والقيم، وهو مسار يتطلب من النخب الفكرية والسياسية قراءة أعمق من مجرد الشعارات. تشرين كانت مرآة عكست رغبة الإنسان العراقي في “الدولة الحقيقية” البعيدة عن منطق المغانم، لكنها كشفت أيضاً أن الطريق إلى تلك الدولة يتطلب عقداً اجتماعياً جديداً، لا يكتفي بالصراخ بل يبني جسوراً من الثقة المفقودة بين “الضاحية” و”المركز”.

هذه المواجهة بين “الأحلام الشابة” و”الجمود البنيوي” تضعنا مباشرة أمام السؤال الكبير للحلقة القادمة: كيف استطاع اللاعب الخفي في “الجغرافيا السياسية” أن يضبط إيقاع هذه التناقضات العراقية لصالح توازنات لا تنتهي؟

يتبع..

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى