الضياع المبكر

الضياع المبكر
كتب رياض الفرطوسي
ثمة فرق جوهري بين من يقرأ الواقع بعين “المؤرخ” الذي يدوّن الخراب بعد وقوعه، وبين من يقرأه بعين “المستشرف” الذي يشمّ رائحة العاصفة وهي ما تزال مجرد غيمة بعيدة في الأفق. قبل عقود، وفي زحام الوعود الكبرى، كانت هناك رؤية قلقة تهمس بأن التغيير الحقيقي لا يبدأ من تبديل الوجوه، بل من تنقية الأرواح التي أنهكها الاغتراب. كانت تلك الرؤية تدرك أن “ثقافة المنفى” حين لا تتهذب بمشروع دولة حقيقي، قد تتحول إلى حقائب محملة بالخيبات بدلاً من الحلول، وأن العودة التي لا تسبقها خطة لـ “اليوم التالي” قد تنتهي بنا إلى غربة جديدة، لكنها هذه المرة غربة داخل الوطن لا خارجه.
في تلك الحواضر التي احتضنت بذور التغيير، من دمشق وطهران إلى بيروت وصولاً إلى ضباب لندن، كانت النخب السياسية تتحرك في فضاءات مشحونة بالتوقعات. لكن القراءة المتأنية لتاريخ الجماعات في المنفى تُظهر أن البقاء طويلاً في “منطقة الانتظار” قد يولد عقلية “القلعة المحاصرة”. وكما يشير الفيلسوف الألماني هيغل في حديثه عن “وعي العبد والسيد”، فإن من يتحرر من القيود الخارجية دون أن يحرر وعيه الداخلي، قد يميل لا شعورياً لتقمص دور من كان يقيده. لقد كانت رائحة تلك المنافي تعكس أحياناً جفافاً روحياً، يرى في الوطن “حقاً مسترداً” أكثر مما يراه “مسؤولية تُبنى”.
في الأدب العالمي، يصف فرانز كافكا في روايته “المحاكمة” ذلك الشعور بالضياع وسط دهاليز بيروقراطية لا تُفضي إلى شيء، حيث يجد الإنسان نفسه محاصراً بقوى غير مرئية لا يفهم كنهها. نحن اليوم نعيش تجربة مشابهة؛ حيث يجد المواطن نفسه في وطن يمتلك كل مقومات الثراء، لكنه يشعر فيه بـ “يتم حضاري”. إن المعضلة لم تكن في نوايا التغيير، بل في عجز تلك النخب عن الفصل بين جراحها الشخصية وحاجة الأمة للشفاء. وكأننا استبدلنا “كهف أفلاطون” بكهف آخر، حيث لا يرى الناس الحقيقة، بل يكتفون بمشاهدة ظلال لواقع يُرسم لهم بعناية، بينما يظل الجوهر بعيد المنال.
إن التحدي الأكبر الذي واجهناه، وما زلنا، هو سيادة “العقلية الثأرية” التي تجعل الإنسان سجين ماضيه حتى وهو يخطو نحو الغد. فالمستقبل لا يُبنى بالانتقام وتصفية الحسابات أو بمشاعر الحقد والكراهية، بل بالاحتواء، والتسامح، والمحبة التي تُعد حجر الزاوية في بناء المجتمعات المستقرة. حين يغيب المشروع الوطني الجامع، يتحول الوطن في نظر البعض إلى “ساحة غنيمة” أو “محطة للمرور”، وتصبح الأشجار والأضرحة والذاكرة مجرد تفاصيل عابرة في مزاد المصالح الضيقة.
إننا اليوم لا نحتاج لإعادة توصيف الخراب الذي بات ملموساً في التفاصيل اليومية، بل نحتاج لاستعادة تلك “الرؤية العفوية” التي ترى الأشياء كما هي، بعيداً عن التنميق أو الشعارات البراقة. التاريخ لا يرحم من يكتفي بالصمت في لحظة التأسيس، والكتابة في زمن المنعطفات ليست ترفاً، بل هي محاولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من أحلام. إن “الضياع المبكر” لم يكن قدراً محتوماً، بل كان نتيجة لإغفال حقيقة بسيطة: أن النخب التي لا تملك قدرة على التغيير الإيجابي في داخلها وهي في المنفى، لن تستطيع بناء “قن دجاج” في الوطن ما لم تغير ما في أنفسها أولاً. فالأوطان تُبنى بالأيدي التي تتقن المصافحة المخلصة، لا الأيدي التي لا تحسن سوى اغتنام الغنائم.



