من رسالة لم تصل | شهيرة حسّان

من رسالة لم تصل | شهيرة حسّان
كاتبة وشاعرة | أردنية
عزيزي، صديقي الرائع وآخر الغزلان البريّة “س”
صباحًا، قرأت عبارة أعتقد بأنّها للوركا (أخبرتك، نقص ڤيتامين باء 12 حاد جدًا، بدأت أفقد ذاكرتي القريبة وهذا بصراحة، مريح ولا يهم هههه)
الأمر المهم هو العبارة، إذ تقول: “نكتب ربما لأن الكتابة فعل حياة”
لا أدري لماذا شغلت هذه العبارة تفكيري إلى هذا الحد!
يقولون بأن “فعل الحياة” هو بالضرورة أيّ شيء نقوم به وينقذ داخلنا من التكلّس…
إذًا، الانتظار فعل حياة، النجاة بحد ذاتها فعل حياة، الإصغاء فعل حياة، الحركة فعل حياة.
ومن هنا تحديدًا وأنا أقوم بارتداء قميصي -غير المكوي، فأنا أكره كي الملابس تمامًا وبنفس القدر الذي أكره فيه ثرثرة النساء صباحًا… في الحقيقة أنا أكره ثرثرتهن في كل الأوقات- عندما وصلت إلى زر القميص الأخير ووضعته في عروته فكرت، إذا كانت الكتابة فعل من أفعال الحياة، فما هي يا ترى أفعال الموت؟.
والمفاجأة كانت ما قاله لي محرك البحث غوغل:
الجمود فعل موت، الانطفاء فعل موت، الخدر فعل موت، أمّا العيش بالنيابة فهو حتمًا فعل موت…
ضحكة تهكمية أفلتت من بين أسناني وأنا أحاول إخفاء الهالات السوداء تحت عيني بمسحوق الكونسيلر أمام المرآة…..حقًا؟ العيش بالنيابة فعل موت؟ من منا لا يعيش بالنيابة؟ هل نحن موبوءون إلى هذا الحد لتكون حتى محاولتنا في العيش هي ببساطة فعل موت؟.
هذا واحد من المواقف الكثيرة التي لا أعرف كيف أحدد شعوري الحقيقي نحوها. هل عليّ أن أشعر بالسذاجة إزاء استنتاجي هذا الذي هو حتما لن يغير شيئًا في هذا العالم أم علي أن أشعر بالتفوّق الجيني إزاء أبناء نوعي، فقد عرفت ما لم يعرفوه: “محاولتنا للعيش هي ليست إلّا شكلًا آخرًا من أفعال الموت”.
من هذه المواقف أيَضًا على سبيل المثال لا الحصر:
هل كان علي أن ابتسم وأفرح لأنك جالس أمامي وجهًا لوجه، أم كان علي أن أحزن وأشتم الطبيعة وتيّاراتها التي تعاكسني دائمًا لأنك ستغادر خلال دقائق؟
نحويًا، “هل” هو حرف استفهام لا يدخل إلّا على الجمل الخبرية ممّا يعني بالضرورة بأنّني أخبرتك الكثير وبدأت أثرثر كالنساء اللاتي أكره ثرثرتهن في الصباح وفي كل الأوقات.
عندما التقيت بأبي الروحي -الذي أحبه كثيرًا-
(أعتقد بأنّي أخبرتك عنه من قبل، ابراهيم غبيش، طبيب عام وكاتب نوڤيلّات رائع)
منذ أيّام قال لي: ابقي كما أنت يا شهيرة، إنسانة باعثة للبهجة.
تساءلت، كيف لكائن يقوم بكل أفعال الموت هذه أن يكون باعثًا للبهجة؟ فأنا أشعر بالجمود تجاه كل شيء مؤخرًا، قلبي خدرٌ للغاية ومشاعري كذلك، وأكذب إن قلت بأنّني أكره ذلك، أمّا العيش بالنيابة، فهو حتمًا أسلوب حياة بل أعتقد بأنّ وجودي في هذا العالم بحد ذاته هو ليس إلّا فعل نيابة محض، هه.
لكنّه بدا مطمئنًا جدًا وهو يقول ذلك، ولم أرغب بإثارة قلقه من جديد، ابتسمت ابتسامة صفراء خفيفة، لاحظها ونظر إلي بتلك النظرة التي يرميها على وجهي عادة عندما يعرف بأنّني أخفي شيئًا ما ولا أقول الحقيقية. سألته عن آخر أعماله الأدبية، وضاع الموضوع بسرعة وسهولة.
وعدتك بأن أكتب لك بين الحين والآخر، وهذا ما سيحصل.
صحيح، أنّني دائمًا أصل متأخرة، لكنني أحافظ على وعودي دائمًا (مع دقّة على الصدر).
عزيزي “س”، شكرًا لأنّك ولّدت بداخلي رغبة للكتابة حتى وإن كان ذلك دون قصد، فالكتابة بالنهاية هي فعلٌ من أفعال الحياة، أليس كذلك؟
وهذا العالم يا صديقي، مليئٌ جدًا وأكثر من اللازم بالموت.
كن بخير دائمًا.



