آخر الأخبار
ألمقالات

فن التعامل | ناز عدنان البوتاني

فن التعامل | ناز عدنان البوتاني

كاتبة | عراقية

 

تُعدّ استراتيجية التعامل مع المحيط من القضايا التي تستحق التأمل والنقاش الجاد؛ فحين يفرض عليك العمل احتكاكاً يومياً بالناس، تجد نفسك مضطراً إلى إعادة صياغة أسلوبك في التعامل، لا مع الآخرين فحسب، بل مع ذاتك أيضاً. إذ يصبح لزاماً عليك أن تكون أكثر فطنة قبل أن تصدمهم بحقيقة مشاعرك، ففي زمنٍ تجمّدت فيه جزيئات العقول، وتبخّرت فيه قيمة قول الحقيقة، غدا الصدق فعلاً محفوفاً بالعواقب.

وعندما تحتكّ بجيلٍ تتقارب أعمار أفراده، وتتباعد في المقابل صُلب أفكارهم، فإنك تدخل منطقة المنحنيات الفكرية؛ حيث إن تدرّج الأعمار، واختلاف الأجيال، وتفاوت العقليات، يُنتج ظاهرة طبيعية من براكين النقاشات. لقد أنشأ اختلاف العصور جيلاً أكثر وعياً، لكنه في كثير من الأحيان وعيٌ بلا حكمة؛ جيلٌ يتصرّف بمنطقٍ صارم، لا ينجرف خلف عاطفته، بل يقود ذاته بحذر، ساعياً إلى النجاة وتفادي الغرق في سياسات الصراع اليومي.

أضحى فنّ التعامل مع الناس أكثر تعقيداً، وتحول العمل إلى مساحةٍ أضيق، تُحتكر فيها الأفكار ضمن نطاقٍ أوسع من الصمت، حفاظاً على البقاء الفكري. وغدا المرء لا يسعى لفرض قناعاته، بقدر ما يسعى لإنقاذ أفكاره من الاستنزاف.

وقد تجد أن أقصى طموحاتك في مثل هذه البيئات لا يتجاوز الحفاظ على صحتك النفسية، وسط محيطٍ غُرست فيه الشكليات والمظاهر بديلاً عن الجوهر والمعنى.

وقد تكون صادقاً إلى حدّ يجعلك ترى الجميع في زاويةٍ بعيدة عن تركيبتك الفكرية؛ تلك التركيبة التي تشكّلت في ظل ظروفٍ قاسية، فرضت عليك أن تنتهج سياسةً تحمي بها مبادئك، دون أن تنجرف مع عصرٍ تم فيه اختراق الوعي وإعادة تشكيل المحتوى، حتى بات الناس يخدعون أنفسهم قبل أن يطالبوا العالم بتصديقهم.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى