بين التشرذم والحلم: نحو صياغة واقعية لفكرةٍ جامعة | حسين السياب

بين التشرذم والحلم: نحو صياغة واقعية لفكرةٍ جامعة | حسين السياب
كاتب | عراقي
لم يكن التشرذم الذي يثقل كاهل المنطقة العربية اليوم وليد صدفةٍ عابرة، ولا هو مجرد انعكاسٍ طبيعي لاختلافاتٍ تاريخية أو ثقافية، بل هو حصيلةُ تراكُمٍ معقّدٍ من العوامل التي تواطأت –في الداخل والخارج— على تفكيك ما كان يُفترض أن يكون نسيجاً متماسكاً. فالهويات الفرعية، التي كان يمكن أن تغني المشهد العربي وتثريه، تحوّلت بفعل هذا التواطؤ إلى شظايا متنافرة، تتقدّم على حساب الانتماء الأوسع، حتى غدا الانقسام هو القاعدة، لا الاستثناء.
ومن هنا، تبدو العودة إلى (الحلم المشترك) ضرورةً لا ترفاً فكرياً. غير أن هذا الحلم، إذا أُريد له أن يكون قابلاً للحياة، لا يمكن أن يُستدعى بصيغته القديمة، ولا أن يُعاد إنتاجه كخطابٍ تعبويٍّ يستند إلى العاطفة أكثر مما يستند إلى الواقع. فالحديث عن القومية العربية بوصفها ملجأ النجاة الوحيد قد يحمل قدراً من الحنين المشروع، لكنه يبالغ في تبسيط أزمةٍ مركّبة لا تُحلّ بشعارٍ مهما بدا براقاً.
إن التحدي الحقيقي لا يكمن في استعادة الفكرة، بل في إعادة صياغتها؛ في نقلها من حيّز الخطابة إلى فضاء الفعل، ومن الانفعال إلى التخطيط، ومن التمجيد إلى المراجعة. فالقومية، إن أرادت أن تنهض من جديد، ينبغي أن تتحول إلى مشروعٍ عملي يقوم على المصالح المشتركة، والتكامل الاقتصادي، والتنسيق السياسي، مع احترامٍ عميقٍ للتنوع الثقافي والعرقي، لا باعتباره عبئاً ينبغي صهره، بل بوصفه ثراءً ينبغي استثماره.
ولا يمكن، في هذا السياق، تجاهل الدور الذي لعبته القوى الخارجية في تعميق الانقسامات، إذ لطالما كانت الهويات المتنازعة أداةً مفضلة في استراتيجيات الإضعاف وإعادة تشكيل التوازنات. غير أن إلقاء اللوم الكامل على الخارج لا يعدو كونه هروباً من مواجهة الذات؛ فالتاريخ القريب يشهد بأن الاستبداد، وغياب العدالة، وفشل مشاريع التنمية، كانت جميعها عوامل حاسمة في تهيئة الأرضية لهذا التفكك، وفي تحويل التباينات الطبيعية إلى صراعاتٍ مفتوحة.
إن الحاجة اليوم ليست إلى استدعاء الماضي بقدر ما هي إلى ابتكار المستقبل. إلى فكرةٍ جامعة لا تُقصي، ولا تُذيب، بل تحتوي وتوازن. فكرةٍ تعيد ترتيب الأولويات، وتمنح العرب قدرةً حقيقية على مواجهة تحدياتهم في عالمٍ لا يرحم الضعفاء ولا ينتظر المترددين.
غير أن هذه الفكرة، مهما بدت ناصعة في التنظير، لن ترى النور ما لم تُبنَ على أسسٍ صلبة: دولةٍ قويةٍ وعادلة، لا تُفرّق بين أبنائها؛ مجتمعٍ يعترف بتعدديته ويصونها؛ وتعاونٍ إقليميٍّ يقوم على المصالح المتبادلة لا على الأوهام المؤجلة. عندها فقط، يمكن للحلم أن يغادر حيز الخطاب، ويخطو —ولو ببطء— نحو التحقق.




