نبوءة الحطام

نبوءة الحطام
كتب رياض الفرطوسي
إن المثقف الذي يحترم وعيه لا ينتظر سقوط الجدار ليكتب عن مأساة الركام، بل هو من يرصد “سوس الهياكل” وهي تنخر في أساسات النظم قبل عقود من انهيارها. الأدب الحقيقي ليس مرآة تعكس ما حدث، بل هو كشّاف ضوئي يسلط حزمته على المنعطفات الخطرة التي لم يصلها قطار الواقع بعد. إنه “صناعة الإنذار” في زمن الصمم الجماعي، حيث يتنبأ الكاتب بالحرائق ليس رغبةً فيها، بل محاولةً لإطفائها وهي لا تزال مجرد “فكرة” في رؤوس العابرين.
هذا الاستباق السياسي يجد تجليه الأعمق في مفهوم “التاريخ الموازي”، حيث تبرع أقلام عالمية في كشف جنون السلطة حين تضيق بها سبل الهيمنة. نجد هذا في رؤية الكاتب الألماني غونتر غراس الذي لم يكتفِ بتأريخ الماضي، بل حذر في استشرافاته من عودة “البربرية التقنية”؛ حيث يمكن للنخب السياسية أن تحول الإبادة إلى مجرد “معادلة رياضية” باردة. إن السياسة عندما تلبس ثوب الأيديولوجيا المتطرفة، لا ترى في الشعوب سوى أرقام قابلة للمحو، تماماً كما تفعل النظم التي تفتعل الفوضى في عواصمها لتبرير حرق عواصم الآخرين تحت ذريعة “الأمن الوقائي”.
وفي زاوية أخرى من هذا المشهد، يبرز الروائي البريطاني إيان ماك إيوان في أعماله التي تشرح تآكل النسيج الاجتماعي من الداخل؛ إذ يحذر من أن الانهيار الكبير لا يبدأ بالانفجارات الكبرى، بل بـ “سيولة القيم” وانكسار العقد الأخلاقي بين الناس. إنها اللحظة التي تنزع فيها الأقنعة، ويتحول فيها المجتمع إلى شظايا متنافرة، حيث تولد “لغة هجينة” غريبة عن الوجدان، تحول القتل إلى “وجهة نظر” والخراب إلى “فرصة”. هذا ما تلمسه الشعوب التي تعيش مخاضات الحروب، حيث تتبدل الهويات وتتحول المفاهيم الراسخة إلى قاموس مشوه يخدم واقع الانحطاط، تماماً كما تُستولد مفردات الموت لتصبح خبزاً يومياً في لغة الشارع المكلوم.
إن اللجوء إلى “التاريخ البديل” هو أعلى درجات النقد السياسي؛ فمن خلال تساؤل “ماذا لو؟”، يستطيع الأدب أن يفضح هشاشة الواقع المعاش. وكما فعل جوزيه ساراماغو حين تخيل انقطاع الموت أو عمى البشرية الشامل، يضعنا الأدب الاستباقي أمام حقيقة مرعبة: أن الأنظمة التي تدعي القوة المطلقة هي الأكثر عرضة للانتحار الذاتي حين تفقد بوصلتها الأخلاقية. إن الفجوة بين “جنون القمة” و”تفكك القاعدة” هي التي تخلق الهاوية التي تسقط فيها الحضارات.
المأساة الكبرى تكمن في “العقل الاختزالي” الذي يكتفي برؤية المشهد الأخير من المسرحية، متجاهلاً فصول الإعداد الطويلة من القمع والتهميش. إن دور الكاتب هنا يشبه دور الناقوس الذي يدق في الفراغ؛ هو لا يشرح تفاصيل الكارثة للضحايا، بل يشير إلى أصابع “الجناة” وهم يحركون خيوط اللعبة من خلف الستار. إن الأدب الذي يستحق القراءة هو الذي يحررنا من سجن “اللحظة الراهنة” ليقذف بنا في أتون المستقبل، لعلنا نتدبر أمرنا قبل أن يطبق الصمت على الجميع.




