آخر الأخبار
ألثقافة والفن

حفلة عيد ميلاد القط شنوربارت | عبد الرحيم الشويلي

حفلة عيد ميلاد القط شنوربارت | عبد الرحيم الشويلي

قاص | عراقي

 

قضيتُ أنا وزوجتي أربعة أعوامٍ في شقةٍ صغيرةٍ جميلةٍ تقع في الحي التاسع عشر من مدينة فيينا، ذلك الحيّ الذي يُعدّ من أرقى أحياء العاصمة النمساوية. يسكنه الأثرياء ورجال الأعمال والساسة وكبار القوم، حتى أنّ العرب المقيمين هناك يُسمّونه مازحين “حيّ الباشوات”.

كانت شقتنا في الطابق الأول من بنايةٍ أنيقةٍ ذات ثلاثة طوابق. واجهتها الأمامية تُطلّ على شارعٍ رئيسيٍّ مزدحمٍ بالمقاهي والمحلات الصغيرة، أمّا خلفها، فتمتدّ غابةٌ هادئةٌ من أشجار الكستناء والبلوط، يهبّ منها نسيمٌ باردٌ في المساء كأنّه يأتي من عالمٍ آخر.

جميع الساكنين في البناية كانوا من النمساويين، إلا أنا وزوجتي. وكان لزامًا علينا، بحسب العرف السائد هناك، أن نتعرّف إلى مديرة المنزل، السيدة إيلينا، أو كما يسمّونها: فراو إيلينا، وهي الـ Hausverwalterin المسؤولة عن أمن البناية وتنظيفها والعناية بحديقتها، وإزاحة الثلوج عن واجهتها في الشتاء.

كانت امرأةً في عقدها السادس، قوية البنية، أنيقة رغم بساطتها، تتنقّل في أرجاء البناية بخفّةٍ ونشاطٍ يبعثان الإعجاب. استقبلتنا يوم انتقلنا إلى الشقة بابتسامةٍ حنونة، وتحدثت معنا بإنكليزيةٍ سليمةٍ تحمل لكنةً ألمانية واضحة.

كنتُ أرى في وجهها مسحة حزنٍ غامضة لم أفهمها في حينها. ظننتها، مثل كثيرين من كبار السن، تعاني الوحدة في شقتها الصغيرة التي تعيش فيها وحيدة.

لكنّ سرّ ذلك الحزن لم يُكشف لي إلا بعد عامٍ كامل.

في أحد الأيام، طرقت بابنا، وقالت بابتسامتها المألوفة:

“أريد أن أدعوكما إلى بيتي غدًا مساءً. سأحتفل بعيد ميلاد مخلوقٍ عزيزٍ عليّ جدًا.”

لم تُفصِح أكثر، فلبّينا دعوتها بسرور. وفي المساء التالي، حملنا معنا سلّةً من أنواع الشوكولاتة المختلفة، وزجاجة نبيذٍ، وباقة وردٍ حمراء، وتوجّهنا إلى شقتها.

استقبلتنا فراو إيلينا بالأحضان والفرح. دخلنا صالة صغيرة أنيقة، كانت جدرانها تكتظّ بصور قطٍّ سياميٍّ واحدٍ في أوضاعٍ مختلفة: على الأريكة، في الحديقة، بين ذراعيها، وحتى على مائدة عيد الميلاد!

نظرتُ حولي بدهشة، ولم أتمالك نفسي من السؤال:

“هل هذه كلها صورٌ لقطّ واحد؟”

ابتسمت إيلينا، ثمّ تلعثمت وهي تقول بصوتٍ متهدّج:

“نعم… اليوم عيد ميلاده الخامس والعشرون.”

قالت زوجتي بدهشة:

“وأين هو الآن؟ لم نره…”

خفضت إيلينا رأسها، وأجابت وقد ترقرقت الدموع في عينيها:

“رحل… منذ خمس سنوات. اسمه شنوربارت، كان ابني الوحيد.”

عمّ الصمت المكان، ولم ندرِ ما نقول. ثم تابعت بصوتٍ متقطّع:

“مرضَ المسكين مرضًا عضالًا، حاولتُ إنقاذه، أدخلته المستشفى أكثر من مرة، أجريتُ له عمليتين جراحيتين، لكن… لم يُكتب له النجاة.”

مدّت زوجتي يدها تمسح على كتفها قائلة:

“البقية في حياتك يا إيلينا، هكذا هي الحياة… لكلٍّ منا أجل.”

كفكفت فراو إيلينا دموعها، ثم قالت بشيءٍ من الفخر والسكينة:

“لقد أوصيتُ أن تذهب كلّ ثروتي بعد موتي إلى جمعيات الرفق بالحيوانات، وخصوصًا تلك التي تعتني بالقطط. وأوصيتُ أيضًا بالتبرّع بأعضائي بعد رحيلي.”

نظرتُ إليها بإعجابٍ صادق وقلت:

“كم أنتِ عظيمة يا فراو إيلينا… حتى في حزنك، ما زال قلبك حيًّا.”

ابتسمت ابتسامةً حزينة، وقالت وهي تنظر إلى صورة قطّها:

“إنه لم يكن مجرّد حيوان… كان حبّي الأخير.”

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى