لا يمكن للموت أن يفعل بنا أكثر من ذلك | عبدالله نايف أبو شاويش

لا يمكن للموت أن يفعل بنا أكثر من ذلك | عبدالله نايف أبو شاويش
شاعر | فلسطيني
لا يمكنُ للموتِ أن يفعلَ بنا أكثرَ من ذلك،
لقد جرّب كلَّ حِيَلِه معنا، جاءنا مرّةً على هيئةِ ليلٍ بلا نجوم، ومرّةً على هيئةِ خبرٍ عاجلٍ يُذاعُ ببرود، ومرّةً أخرى تسلّلَ في رغيفِ الخبزِ اليابس، وفي صوتِ أمٍّ تنادي ولا يُجيبها أحد.
ماذا بقي لهُ بعد؟
أيُّ معنىً آخرَ يستطيعُ أن يخترعهُ ليرعبنا؟
نحنُ الذين تعلّمنا أن نعدَّ الموتى كما يُعدُّ الفلاحُ مواسمه، وأن نحفظَ أسماءهم كما تُحفظُ السورُ في الصدور، نحنُ الذين إذا ضاقت بنا الأرض؛ اتّسعنا لها في الحكاية، وإذا انكسر الجسد؛ أكملتهُ الروحُ واقفًا في القصيدة.
أيها الموت، لقد تأخرتَ كثيرًا هذه المرة…نحنُ سبقناكَ إلى الفقد، سبقناكَ إلى الخراب، وسبقناكَ إلى أن صرنا ظلَّ أنفسنا؛ ومشينا.
لا يمكنُ لكَ أن تفعلَ أكثر من ذلك، لقد أخذتَ البيوتَ؛ فسكَنّا أسماءَها، أخذتَ الوجوهَ؛ فعلقناها قناديلَ في الذاكرة، أخذتَ الطرقات؛ فصرنا الطريق نفسه.
ماذا بعدُ؟
هل ستسرقُ منّا الحنين، وهو الشيءُ الوحيد الذي لا يُدفن؟!
نحنُ يا هذا، لا نموتُ كما تظن، نحنُ نتحوّل حتى صرنا أغنيةً في حلقِ راعٍ، أو غيمةً تتذكّرُ شكلَ المدينة، أو زيتونةً تُقاومُ الفأسَ بجذورٍ أعمق من التاريخ.
لقد أرهقناكَ بادماننا للنهوض، وبكثرةِ ما نُعيدُ ترتيبَ الحياة فوق حافةِ الهاوية، فدعنا وشأننا… نحنُ الآن مشغولونَ بكسرِك، وليس بمخافتِك.
نحنُ يا هذا، لا يمكنُ لك أن تفعلَ بنا أكثرَ من ذلك؛ لأننا ببساطة قد صرنا معناك الذي تخشاه.




