آخر الأخبار
ألمقالات

هندسة الزمن وإعجاز التقدير الإلهي

الدكتورة منى محمد فتحي.

تتوقف عقارب الساعة في حياة الأمم عند لحظاتٍ فارقة تغير وجه التاريخ ، لكنّ ثمة ليلة واحدة في التقويم الإلهي لم تغير وجه التاريخ فحسب ، بل أعادت صياغة مفهوم (الزمن) وقيمته . إنها ليلة القدر ، تلك اللوحة الربانية التي رسمتها سورة لم تتجاوز الكلمات الثلاثين ، لكنها وضعت دستوراً للوجود ، ومنحاً ربانية تتجاوز حدود الحسابات البشرية الضيقة.
أولاً: إعجاز البركة.. حين يتكثف العُمر في ليلة
في الحسابات الرياضية ، اليوم هو أربع وعشرون ساعة ، لكن في (ميزان القدر تتحول ليلة واحدة إلى زمنٍ يمتد لأكثر من ثمانين عاماً ).
هذا الإعجاز التشريعي ليس مجرد مضاعفة للأجر ، بل هو (ذكاء استثماري) للمؤمن اللبيب . إن الله تعالى ، بعلمه بضعف الإنسان وانشغاله بمكابدة الحياة ومسؤولياتها الجسيمة ، منح البشرية (فرصة اختزال الزمن). هي دعوة لكل من أثقلته الأيام وشعر بتقصيره ، بأن القليل من الإخلاص في هذه الليلة يوازي عمراً كاملاً من العطاء ، مما يفتح باب الرجاء ويطرد اليأس من القلوب.
ثانياً: في رحاب (السلام).. الإعجاز النفسي والسكينة
تبدأ السورة بحدثٍ كوني عظيم (نزول القرآن) وتنتهي بحالة وجدانية شاملة (سلامٌ هي). وهنا يبرز الإعجاز النفسي ، فالقرآن لا يطرح السكينة كمجرد شعور عابر ، بل كحقيقة كونية تتنزل مع الملائكة.
في عالمٍ يضج بالصخب والتوتر والقلق الوجودي ، تأتي هذه الليلة لتكون (محطة تفريغ) كبرى . إنها ليلة (الترميم النفسي) ، حيث يغسل السلام قلوب المتعبين ، ويهدئ من روع النفوس القلقة ، مما ينعكس استقراراً في البيوت وتآلفاً في الأرواح . السلام هنا ليس مجرد غيابٍ للحرب أو النزاع ، بل هو (امتلاءٌ داخلي) برضا الله وحفظه.
ثالثاً: فلسفة (القدر).. إعادة صياغة المصير..
كلمة (القدر) في اللغة والشرع تحمل وجوهاً إعجازية مذهلة ، فهي تجمع بين:
-العظمة (القَدْر): دلالة على شرف الليلة ومكانة من يحييها.
– الضيق (التضييق): حيث تزدحم الأرض بالملائكة فلا يكاد يبقى موضع قدم.
– التقدير (كتابة الأرزاق): وهي لحظة (هندسة المستقبل).
إنها ليلة (إعادة الضبط) ، حيث يُفتح للمرء باب المشاركة في كتابة مستقبله من خلال الدعاء. هي ليلة الانتقال من حال إلى حال ، ومن قدرٍ إلى قدرٍ أجمل ، مما يجعلها لحظةً للتخطيط الروحي والعملي ، وليست مجرد طقسٍ عابر.
أما الومضات البيانية في جوهر السورة هي :
– استمرارية العطاء: عبر التعبير بالفعل المضارع تنزّل (الذي يفيد التجدد والاستمرار) ، يؤكد القرآن أن فيض الرحمة ليس حدثاً تاريخياً انتهى ، بل هو نهر متجدد يتدفق في كل عام ليغسل أدران البشرية.
– مساواة الاستحقاق: من إعجاز هذه الليلة أنها لم تُخصص لفئة دون أخرى ، فهي متاحة للرجل والمرأة ، للقوي والضعيف ، للمعتكف في محرابه وللساعي على رزق عياله ، فالمعيار هو (القلب) ومدى اتصاله بخالقه.
ليلة القدر ليست مجرد ليلة في رمضان ، بل هي منهج حياة يعلمنا أن العبرة ليست بطول السنين ، بل بعمق الإنجاز وبركة العمل . إنها دعوة لكل إنسان ليرسم ملامح مستقبله بمدادٍ من التقوى ، وليستمد من نورها طاقة تعينه على بقية عامه.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى