آخر الأخبار
ألمقالات

حمدية… جريمة يشارك في صنعها المجتم

 

 

أحمد الحلفي

ليست نهاية “حمدية” مجرد خاتمة لمسلسل عُرض في شهر رمضان، بل جرس إنذار يدعو للتوقف والتأمل العميق في قصة تتكرر بصور مختلفة داخل المجتمع، حيث تبقى الكثير من الحالات المشابهة طي الكتمان، وإن كُشف عنها تنتهي غالباً بما يُعرف بـ”غسل العار” أو الهروب، دون الوقوف على الأسباب الحقيقية أو ما يسبق “الواقعة” وما يليها.

تسلّط القصة الضوء على إشكالية مجتمعية معقدة، أبرزها غياب المساءلة الحقيقية، خصوصاً من قبل الرجال، الذين غالباً ما يُنظر إليهم وكأنهم خارج دائرة الخطأ، رغم أن بعض الأفعال المرتكبة منهم قد تكون أشد وقعاً وخطورة، دون أن تواجه بذات مستوى المحاسبة.

ولا يهدف الطرح إلى تبرير الأفعال أو الترويج لها، بل إلى الدعوة لدراسة الحالات بعمق: كيف بدأت؟ ما دوافعها؟ وما السياقات الاجتماعية والنفسية التي قادت إليها؟ وهو ما لا يقتصر على قضايا الزنا فحسب، بل يمتد إلى جرائم أخرى، منها قتل الأمهات لأطفالهن، والتي غالباً ما تُختزل دون تحليل جذورها.

تبدأ خيوط القصة من تفكك أسري واضح، حين تخلى الأب عن أطفاله إرضاءً لزوجته الثانية بعد وفاة الأم، لتنتقل “حمدية” إلى حياة قاسية في بيت الخال، تعاني فيها الحرمان والفقر، حتى تتعلق بأمل الخلاص عبر شخصية (سعدي)، لكنها تخطئ التقدير، لتدخل في مسار مأساوي.

وقد تعمد صناع العمل ترك النهاية مفتوحة، مانحين المشاهد مساحة لتفسيرها وفق قناعاته، إلا أن الثيمة الأساسية بقيت واضحة: تسليط الضوء على قضية مسكوت عنها، تستحق النقاش العلني.

وعند التعمق أكثر، يظهر جانب قانوني لا يقل أهمية، إذ يُعد ما يُسمى بـ”غسل العار” جناية في القانون العراقي، إلا أن المادة (409) من قانون العقوبات رقم 111 لسنة 1969 تمنح عذراً مخففاً، حيث تعاقب بالحبس مدة لا تزيد على ثلاث سنوات من يفاجئ زوجته أو إحدى محارمه في حالة تلبس بالزنا ويقتلها في الحال.

وقد دفعت هذه المادة العديد من المنظمات الحقوقية والناشطين للمطالبة بإلغائها أو تعديلها، باعتبارها تفتح باباً لتبرير العنف وتمنح الجناة فرصة للإفلات من العقاب، خصوصاً في الحالات التي لا تُثبت فيها الواقعة بشكل قاطع.

ختاماً، تبقى “حمدية” نموذجاً لقضية أوسع، تتقاطع فيها الدراما مع الواقع، وتكشف جانباً من تأثير العرف والتقاليد حين تتحول إلى سلطة تفوق القانون، وتفرض أحكامها بعيداً عن أي مساءلة حقيقية.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى