آخر الأخبار
ألثقافة والفن

المتنبي كما قرأهُ طه حسين: قراءةٌ نقدية للشعر والسيرة

المتنبي كما قرأهُ طه حسين: قراءةٌ نقدية للشعر والسيرة | إبراهيم رسول
ناقد | عراقي

 

المميزُ في الناقد طه حسين؛ صفة الموضوعية في النظر إلى الأدب العربيّ, وهذه الصفة مكّنته من أنْ ينتهيَ إلى أحكام عقلانية مقبولة, فهو يمنح العقل مساحة واسعة في القراءة, ويحكّمه ويُشركه فيما يقرأ بعيدًا عن التقديس المبالغ أو المديح الأعمى, وهو جريءٌ فيما ينتهي إليه من آراء, وصريح بما يُعلن إلى الناس, لهذا تبدو نقودهُ حيّةً باقيةً بيننا لأنَّها تستند على العقل والنقد المنهجي أكثر ما تستند على عاطفة أو هوى, فهذا ما نقرأهُ في كتابه (مع المتنبي), الذي هو قراءةٌ نقديةٌ متعمقةٌ في شعره وحياته, يكشفُ الكتاب عن رؤية العميد في عدم الفصل بين سيرة وشعر الشاعر, لأنَّهما نسيجان مترابطانِ, حيث تتجلّى الصفات الشخصية في الشعر.
المنهجُ الذي اعتمدهُ في قراءة المتنبي, هو منهجٌ نقديٌ عقليٌ, يجمع بين القراءة العقلية والتحليل النقدي, لا يقبل النصوص أو الأقوال كما هي, بل يُحلِّلها بعقل ناقد, ويوازن بين الإعجاب بالشاعر وبين كشف نقاط الضعف أو التناقضات في نصوصه, فهو يرى أنَّ شعر المتنبي لا يمكن فهمه بمعزل عن حياته الشخصية, فهو سياقٌ مرتبطٌ ولا يمكن أنْ يُفصل, فطموحه, علاقته بالحكام, نزاعاته, ظروفه الاجتماعية والسياسية, وأهمها نشأته وملامحها الأولى وتأثيره عليه, يُوضح العميد كيف أثرت كل هذه العوامل على مضامين شعره, مثل الكبرياء والمدح والهجاء, فهو يتجاوز شرح الكلمات ولا يقف عندها, بل يميل إلى استخراج المعاني الخفية والأفكار الكبرى التي تجلّت في شعره, يستندُ في ذلك على فهم شخصيته التي تقف خلف نصوصه, ومن جرأته لم يتردد في مناقشة شعره ونقده, موازنًا بين العيوب والعظمة, فهو يقولُ عنه: ولكن الشاعر آخر الأمر لم يُضفّ إلى فنهِ القديم شيئًا فضلاً عن أنْ يُضيف إلى الشعر لونًا لم يسبقه إليه غيره من الشعراء الذين تقدموه , لا من حيث الألفاظ والمعاني, ولا من حيث الأساليب, ولا من حيث الأوزان والقوافي والموسيقى, إنما هو شاعرٌ مقلدٌ, ينهج نهج المتقدمين, ونهج أبي تمام منهم خاصة. ( الكتاب: 98), قال هذه الكلمة في سياق النقد الأدبي في مرحلةٍ من مراحله العمرية, فهو هنا, يقسم التجربة الشعرية ويراها بأنّها مرّت في مرحلة الطفولة ثم المراهقة والشباب حتّى مرحلة النضوج التام, وهذا رأيٌ نقديٌ عقليٌّ, يتفق مع الرؤى النقدية في الدرس النقدي العربي, فليس كل شعر المتنبي عظيمًا وجميلًا وراقيًا, بل يوجد فيه ما هو ليس من الشعر إلَّا في وزنه وقافيته, وقد عاب العميد على المتنبي العديد من الأبيات التي فقدت شعريتها بسبب سطوة القافية التي فُرِضتْ عليه, وهنا نجد رؤية نقدية واضحة, تعتمد على الموضوع لا على الشخصنة, وتقرأ الفن لا الشكل, لهذا جاءت رؤية الناقد عميقة ذات فائدة للمتلقي, لأنَّ عظمة المتنبي جعلت العديد من القراء يتهيبون إبداء رأي بالمتنبي خشية من أصحابه الذين يتعصبون له, فهذه الشجاعة ُ النقديةُ هي شجاعة الممتلئ والواثق من منهجه النقدي العقلاني, ويعتقدُ الناقد أنّ شعر المتنبي مرآة لشخصيته وحياته, وهو يعترفُ الاعتراف العظيم في نهاية الكتاب, إذ يقول: ولستُ أشك في أنَّ الشعرَ مرآةٌ لشيء, ولكني لا أدري أهذا الشيء هو نفس الشاعر أم هو شيء آخر غيرها!(الكتاب: 316), فهذا الشيء الذي يقوله في نهاية الكتاب, هو شعر المتنبي الذي دلّ على شخصيته, لأنَّه قد عاب الناقدُ على المتلقين والنقاد الآخرين, أنَّهم يقرأون أنفسهم في شعر المتنبي لا نفسه, ولو بُعث المتنبي من جديد لأعجب من هذه القراءات التي تقرأهُ وتأوله, لهذا فيبدو منهج العميد في كتابه (مع المتنبي) هو دمج العقل والتحليل مع السياق التاريخي والنفسي للشاعر, بحيث يصبح الشعر مرآةً لحياته وشخصيته, وليس مرآةً لحياة الناقد!
جرأة النقد ورفض التقليد
من أبرز ما ميّزَ هذه القراءة النقدية, هو رفض الانطباع الذي يقدسه التقليديون حين يرد اسم المتنبي, فهو يسخف أبياتًا له ويقول إنَّه لم يفهمها ولم يجد فيها متعة وفن, ويعجب بأبيات أخرى يراها من أجود ما قرأ, فالمعيارُ هو النقد الموضوع العقلي وليس الانطباع الشخصي الذي يعتمد على الذوق والثقافة, بالرغم من أهمية القراءة الانطباعية إلَّا أنَّها لا تصمد كثيرًا في حقل النقد الأدبي الصارم الذي يعتمد على مقوّمات أهمها الرؤية العقلانية المجرّدة, فالعميدُ يرى أنّ الذين تناولوا المتنبي إنما تناولوه من خلال قراءاتهم الذاتية لأنفسهم وليس لنفس الشاعر وشعره, ومن أروع الرؤى التي ينتهي إليه العميد, أنّ الشهرة الأدبية للمتنبي ليست ضمانًا تامًا على جودة كلّ أبياته, وهذا رأيٌ نقديٌ صرف.
فالقراءةُ التي قرأ بها العميد طه حسين, هي قراءةٌ نقديةٌ تجمعُ بين التحليل العقلي, التاريخي, النفسي والفني, ولهذا تبدو أهمية رؤية طه حسين متجددة كونها رؤية علمية أكثر منها رؤية ذاتية, فهو قد قرأ حياته الشخصية ودرسها بعناية وقرأ شعره بعناية تامة, إذ حتَّى في سفره لم يطلب من خادمه إلَّا ديوان المتنبي دون شروحه, لأنَّه أراد أنْ يفهم المتنبي بما للمتنبي من صفات شخصية متفردة وليس ما فهمه الآخرون, ولهذا ينتهي العميد إلى نتائجَ نقدية قريبة من العلمية.
وفي كل رؤية نقدية لأيّ ناقد لا بدَّ من أنْ تبدو هنات تؤثر على الشكل التام النهائي للنقد, وهذه هي سنة الخلق في الناس أجمعين, لأنَّ الكمالَ عصيٌ على المرءِ, وما نجدهُ في نقد طه حسين للمتنبي في بعض الأحيان, أنّه يركّزُ على السياق التاريخي والنفسي كثيرًا وهذا يبعدنا عن الأبعاد الجمالية أو البلاغية الكثيرة, لأنَّ التركيز على سياق الحادثة التي قيلت فيها القصيدة يجعلنا نهمل الفن القولي الذي أبدعه الشاعر, وهذا كثيرًا ما حصل في نقد العميد للمتنبي, فهو كثيرُ التركيز والوقوف عن السياق التاريخي في فهم وتأويل الأبيات, وبهذا التركيز فقد العميد رؤيته الجمالية لسحر الأبيات, فهو انشغل بالظرف التاريخي وكان هذا الانشغال قد نحّى الرؤية النقدية أنْ تنحرفَ في بعض الأحيان عن نزوعها العلمي وهذا خطأٌ وقع به العميد صراحة, وله شواهد كثيرة, لأنَّ ما يبقى من المبدع هو فنّه أكثر من سيرته الشخصية, وأنّ عظمة فن المتنبي جعلت الكثير من قرّائه اليوم, يغضون أو يهملون حياته الشخصية, بل يتعمدون إهمالها ليتذوقوا شعره.
مسألة أخرى نراها قد أخذت من العميد كثيرًا, وهو تقسيمه الحياة الشعرية كما الحياة الشخصية, وهذا تقسيم لا نعتقد بصحته في قراءتنا للشاعر,. فهنالك أبيات ذكرها الناقد وسخّفها وقد قالها المتنبي في أتم النضج وقد تجاوز الأربعين, والعميد نفسه يعتقد أنّ أفضل شعر المتنبي يكاد يكون في ما قاله في عهد سيف الدولة بالتحديد! وهذا حكمٌ قريبٌ للانطباعية منه إلى العلم والنقد.
ومن الجديد بالذكر أنّ العميد ينتهي باعتراف مهم, وهو أنّه لم يهدف إلى تقديم دراسة شاملة للمتنبي, لهذا لو تأملنا عنوانه الذي يدلُ على ذلك, إذ تبدو هي صحبة أكثر منها دراسة, والصحبة هي حديثٌ وأنسٌ ومتعة, ونعترف للعميد أنّه حققَ هذه الغاية , ولكنه أرادَ أنْ يفتح باب الدراسة والنقاش حول شعره وحياته, وفي النهاية يمكن القول إنَّ العميد طه حسين قد نجح في تقديم رؤية نقدية متوازنة للمتنبي، حيث لم يتردد في الإشارة إلى جوانب الضعف في شعره، كما أبرز جوانب الإبداع والتميز. وهذا التوازن هو ما يجعل من كتابه مرجعًا نقديًا مهمًا لأي باحث أو قارئ يريد فهم المتنبي وشعره بشكل أعمق.
يبقى المتنبي شاعرًا أسطوريًا، لكن فهمه لا يكتمل إلا بوعيٍ نقدي يجمع بين العقل والفن، بين النص والسياق، وبين الشخصية والإبداع. قراءة طه حسين للمتنبي ليست مجرد استعراض للأبيات، بل رحلة في عمق النفس الشعرية، تكشف كيف تنبثق الصفات الشخصية من رحم الشعر، وكيف يعكس الشعر الحياة بكل تناقضاتها وجمالياتها. هذه الرؤية النقدية المتوازنة تذكرنا أن عبقرية الشاعر لا تمنعنا من النظر بعين العقل، وأنَّ الشعرَ الحقيقي مرآة للحياة، وليس مرآة للأهواءِ أو الانطباعات الفردية.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى