بالصبر والجهاد يعز الاسلام
🔸️ بالصبر والجهاد يعز الاسلام🔸️
■ الشيخ محمد الربيعي
{الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُواْ رِضْوَانَ اللّهِ وَاللّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ* إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءهُ فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ}(آل عمران ).
ترتبط قصّة هذه الآيات بمحطّة مفصليّة من تاريخ الرّسالة؛ إنها ترتبط بالألم وبالجراح، وهي معركة أُحد، الّتي مثّلت نكسةً للمسلمين، حيث سقط عدد كبير من الشّهداء والجرحى. يومها، وبينما المسلمون على تلك الحال، وصلهم خبر أنّ أبا سفيان قرّر أن يعود إلى المدينة كي يغزوها ويجهز على المسلمين. طبعاً هزّ الخبر أركان المسلمين، فهم لم يدفنوا شهداءهم بعد، ولم يداووا جرحاهم. هنا، وُضع المسلمون أمام خيارين: الانهزام والهلع والضّياع، أو الثّبات والتوكّل على الله، ومواجهة التحدّي بالتحدّي، وكان قرار الرّسول(ص)، أن أمر مقاتلي أُحُد بالاستعداد للخروج إلى معركة أخرى مع المشركين.
يومها لبّى المسلمون جميعاً، بمن فيهم الجرحى والمصابون، دعوة رسول الله، وخرجوا بقيادته(ص) لملاقاة العدوّ.
ومن إحدى صور الثّبات تلك، يقول رجل من أصحاب رسول الله(ص): “شهدت أُحُداً وأخاً لي، فرجعنا جريحين، فلمّا أذّن مؤذّن رسول الله بالخروج لملاقاة أبي سفيان وجيشه، لم نتردّد بالخروج رغم ما نعانيه، أنا أحمله مسافة وهو يحملني مسافة، وقلنا: لا يفوتنا شرف الجهاد تحت راية رسول الله”.
وكما تلاحظون، فإنّ التكافؤ من الناحية العسكريّة لم يكن متحقّقاً، لكنّ الحرب، ليست سلاحاً فقط، إنما هناك عدة أخرى توازي السّلاح أهميّةً، بل قد تتفوّق عليه, وهذا ما تسلّح به المسلمون يومها: إصرار، عزيمة، إرادة، شجاعة…
تسلّح المسلمون بالإيمان بأنّهم على حقّ، فقد آمنوا بصوابيّة أهدافهم، وكانت لديهم الثّقة المطلقة بقيادة رسول الله، وأنّهم لا يقاتلون لحساب شخص، إنما لحساب الحقّ، ولأجل الله والله وحده، وهذا ما جعلهم مهابين في عيون أعدائهم.
لهذا، عندما بلغ أبا سفيان خبرُ قدوم المسلمين لملاقاته، وما هم عليه من عزيمة وإرادة وتصميم على القتال، خاف وآثر أن يتراجع عن قراره، ويقفل راجعاً إلى مكّة منتصراً بأُحُد بدلاً من أن يعود إليها مهزوماً.. وهنا نزلت الآيات على رسول الله(ص): {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ* فَانقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُواْ رِضْوَانَ اللّهِ وَاللّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ}.
كان يمكن لقرار أبي سفيان أن ينجح، وتتحوّل المعركة إلى هزيمة مدوّية للمسلمين بعد معركة أحد، ولكنّ المسلمين استطاعوا أن يحوّلوها إلى نصر. كيف؟ الجواب فيما يقوله لنا القرآن في هذه الآية: {إن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّئَةٌ يَغْلِبُواْ أَلْفاً مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ}(الأنفال). نعم، إنّه الصّبر: عشرون صابرون مسلّحون بالصّبر، وسيغلبون بإذن الله. وهذا وعد من الله تعالى…
فبالصّبر وتحمّل الألم، وبالثّبات وعدم السّماح للجبن والضّعف أن يتسلّلا إلى النفوس، يستطيع الإنسان أن يصنع المعجزات، ويقلب المعادلات، يستطيع أن يردّ كيد أعدائه ولو كان هو قلّة وهم كثرة، فليس هنالك من دواء أو جرعة أفضل من الصّبر ليصل الإنسان إلى النّصر الّذي يصبو إليه في كلّ معركة من معارك الحياة، صغيرة كانت أو كبيرة.
والصّبر طاقة وملكة، يحصّلها الإنسان المؤمن بالتّدرّب والتعلّم، ويكتسبها من دروس العبادات، ولا سيَّما الصّوم، يستمدّها من الرضا بقضاء الله، ومن قناعات على رأسها “أنّ ما عند الله هو الخير”، و”كن مع الله ولا تبال”، وأنّ الله هو المدبّر، وهو لا يخيّب عبده إذا قصده في ضيق أو دعاه لشدّة أو كرب. ثم ماذا لو لم يكن هناك صبر؟ لكان هناك جزع وهلع وعدم تماسك وسقوط.
فعندما تتراكم الصّعاب والمخاوف والتّهديدات، ويكون الردّ اعتصاماً بحبل الله، وصبراً على المواجهة والتحدّيات، عندها يتعطّل مفعول “مكر الآخرين ونواياهم”، حسبما وعد الله المؤمنين: {وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً}(آل عمران).
محل الشاهد :
﴿لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ الله بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فَضَّلَ الله الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلاًّ وَعَدَ الله الْحُسْنَى وَفَضَّلَ الله الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (النساء).
لقد خصّ الله تعالى في آياته وتعاليمه أهل الجهاد بخصائص فريدة، فرفعهم درجة، وفضّلهم على المتخاذلين، وميّز بينهم، وكتب لهم الأجر العظيم. فأهل البذل والعطاء يتقدّمون الصفوف الأولى، فهم الذين وصل حدّ البذل عندهم إلى الجود بالنفس الذي هو أرفع مراتب الجود .
محل الشاهد :
إنّ تمسّك أيّ أمّة بمصادر قوّتها هو الضمان في استمرارها، واستكمالها لأهدافها المرسومة، فالأمّة الضعيفة تُكثر من توسّل ما لدى الآخرين، وتستجدي احتياجاتها من الأغيار، وسرعان ما تجد نفسها في حالة تهالك وضياع، وتضطرّ لمهادنة أندية الأقوياء الذين يستغلّون ضعفها فيحقّرون كرامتها، ويفرضون عليها شروطهم، ويُسقطون عليها ثقافتهم الغريبة. هنا يحضر الجهاد ليكون السند والمدد، وليكون مصدر قوّة الأمة وتحرّرها، ومعه تنتعش إرادتها، وتقوى عزيمتها، وتثبت على مواقفها، فلا تهادن ظالماً، ولا تبايع مغتصباً، ولا تعطي إعطاء الذليل، وإنما تندفع بقوة لتكون سبّاقة إلى حماية المستضعفين في الأمة، كلّ ذلك ببركة الجهاد في سبيل الله.
وان لكلّ أمة خيرات وثروات، ماديّة ومعنويّة، وهي خيرات يلزم على أبناء الأمة حمايتها، والذود عنها، وهذا لا يتأتّى إلّا من خلال فريضة الجهاد؛ لأنّ الأمّة التي لا تسهر على إمكاناتها، ولا تدافع عن عناصر القوة فيها، سوف تقع فريسة طمع المستكبرين والنافذين، والمستغلّين لضعف الشعوب وتهاونهم؛ لذلك كلّه كان الجهاد حصناً تُسدّ به الثغور، وتُحمى به الأوطان، وتُحفظ به الكرامات.
يقول أمير المؤمنينعليه السلام في نهج البلاغة: “فرض الله… الجهاد عزّاً للإسلام”.
اللهم احفظ الاسلام و المسلمين
اللهم اخذل الكفر و الكافرين و المنافقين




