آخر الأخبار
ألمقالات

ليلة النقد الذاتي

♦️ ليلة النقد الذاتي ♦️
الشيخ محمد الربيعي
{حم * وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ * إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ * فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ * أَمْرًا مِّنْ عِندِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ * رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ } .
النقد الذاتي هو عملية تقييم الشخص لأفكاره، سلوكياته، وإنجازاته بموضوعية لتحديد نقاط القوة والضعف، بهدف التعلم من الأخطاء وتحسين الأداء. يعد أداة للتطوير الشخصي والمهني، ولكنه قد يصبح ضاراً إذا تحول إلى جلد مفرط للذات يؤدي للقلق أو الاكتئاب.
أهم جوانب النقد الذاتي:
الموضوعية: مراجعة الأداء بصدق دون قسوة هدّامة أو تساهل مبالغ فيه.
التطوير: التركيز على التعلم من تجارب الماضي وتصحيح المسار.
الوعي الذاتي: فهم الدوافع والسلوكيات الخاصة.
التمييز بين النقد البناء والهدام: النقد الإيجابي يهدف للتحسين، بينما الهدام يؤدي لتدني احترام الذات.
الفرق بين النقد الذاتي البناء والسلبي:
البناء: يدفع للنمو، يزيد الوعي، ويعزز المسؤولية.
السلبي (جلد الذات): يركز على إيجاد الخطأ فقط، يسبب القلق، الاكتئاب، ويقلل الثقة بالنفس.
محل الشاهد :
فيصح ايضا جعل لليلة القدر هي لليلة النقد و المراجعة و التقدم أن خصّصنا في كلّ عام ليلة القدر لإعادة النظر في حياتنا ، وفي علاقتنا بالله جل وعلا ، وفي مجمل سلوكنا ومناهجنا وطرق تفكيرنا ، لتعوّدت أنفسنا على أن تفعل ذلك في كلّ عام بمجرّد أن ندخل في ليلة القدر . أمّا إذا تركنا هذه الأمور للصدف ، واشتركنا (مثلاً) في مجلس روحيّ وكان الخطيب بارعاً واستطاع أن يوقظنا من نومنا ، وأن يجعلنا نفكّر في أن نغيّر حياتنا لفترة موقّتة ، فنقول سنحاول أن نغيّر أنفسنا إن شاء الله . فانّ مثل هذا التفكير غير منطقيّ ، وغير مقبول شرعاً . فالإنسان يجب أن يكون هو واعظ نفسه بالدرجة الأولى ، وأن لا ينتظر من الآخرين أن يفعلوا له ذلك ، لأنّ ذلك مشروط بأن يبادر الإنسان نفسه إلى تغيير ذاته وخصوصاً في ليالي القدر المباركة التي هي بمثابة الوقود الذي نتـزوّد به لتحصين أنفسنا ضد الأهواء .
حيث تقررت الأحداث والأقدار والقضايا المصيرية، التي ترتبط بالإنسان والحياة، في هذه الليلة، من قبل اللَّه تعالى.
فليلة القدر إذاً ليلة التقدير الإلهي، لما يجري على الناس في سنتهم القادمة، وليلة القرارات الإلهية الكبيرة، فلتكن إذا هذه الليلة ليلة القرارات الحاسمة عند الإنسان.
فكم يكون التوافق مباركاً، وذا قيمة عظيمة، أن يوقت الإنسان لنفسه، اتخاذ قراراته المصيرية والرئيسية، في تلك الليلة المباركة، التي جعلها اللَّه سبحانه وتعالى موعداً وميقاتاً لقدره الذي يقدره على الناس.
ثم تأتي الأجواء الروحية العظيمة التي تكتنف هذه الليلة، لتزيد من حظوظ الإنسان في اتخاذ قرارات مصيرية صائبة موفقة.
وليس من شك أن دائرة قرارات الإنسان في هذه الليلة المباركة، ينبغي أن تتسع بحيث تشمل كل ماله دور وتأثير في استقامته وصلاحه، وأن تشمل طموحات الإنسان الدنيوية والأخروية، فيضع لنفسه مخططاً وبرنامجاً عملياً وسلوكياً يسير عليه في سنته القادمة.. ثم يعاهد اللَّه في تلك الليلة، بل وفي ليالي القدر المحتملة كلها، على أن يستمر في تطبيق ذلك البرنامج، ويطلب من اللَّه المدد والعون، وأن يجعل قضاءه وقدره جل وعلا موافقاً لأمنياته وطموحاته الخيرة.
محل الشاهد :
إنّ القرآن الكريم يتحدث في سورة (الدخان) عن ليلة القدر مستعملاً كلمة (الحكيم) : ﴿ فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ ﴾ وهذا يعني أن الله سبحانه وتعالى يعطي للناس هذه الليلة بعد أن تفرّق حقوقهم عن بعضهم البعض بحكمة ، وبمقدار جهادهم وعملهم وتحمّلهم للمسؤولية والصعوبة التي يلاقونها في الدنيا كما قال الإمام علي عليه السلام : ان رسول الله صلى الله عليه وآله كان يقول : ” حُفّت الجنّة بالمكاره ، وحفّت النار بالشهوات ” .
وفي هذا المجال يقول الله جل وعلا : ﴿ أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ ﴾ ﴿ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ … ﴾ .
فحينما نفهم حقيقة ليلة القدر ، وندرك أنّ هذه الليلة هي الليلة التي بقدر الله تعالى فيها لعباده ما يشاء بالحكمة ، فإنّ هذه الحكمة تقتضي منّا أن نخطّط لحياتنا في هذه الليلة وفق المنهاج الإلهيّ وهداه ، ووفق ما تأمرنا به عقولنا وفطرتنا وتجاربنا المكتسبة ، ثم علينا بعد ذلك أن نسأل الله في هذه الليلة التوفيق والبركة ، والإعانة على سدّ ثغراتنا ، وهذه هي حقيقة علاقة ليلة القدر بنا كأفراد .
فليلة القدر هي محطّة للتـزوّد بالوقود الروحي . والإنسان يحتاج إلى محطّات في حياته ، ويحتاج الى منابع ، وهذه المنابع موجودة ومتوفّرة في ليلة القدر كما أن الإنسان تلزمه إعادة النظر في حياته الروحية في ليلة القدر ، ولعظمة هذه الليلة وأهميّتها لما أكّد عليها الخالق عز وجل كلّ هذا التأكيد الذي يفوق أيّ تأكيد آخر على أية مناسبة أخرى ، لأنها (أي هذه الليلة) مفعمة بالمعاني والدلالات الروحيّة ، ولذلك جاء التأكيد على أداء الممارسات العباديّة فيها ، ومنها الصلاة المندوبة التي على الإنسان المسلم أن يؤدّيها فرادى لكي لا يختلط عمله بالرياء . فصلاة الليل هي الصلاة التي سنّت وشرعت لتكريس العلاقة الروحية ، هذا التكريس الذي لا يمكن أن يحدث إلاّ إذا أدّى الإنسان العبادات بعيداً عن الناس .
ترى من منّا فكّر أن يخلو إلى نفسه في زاوية من الزوايا ليلة أو ليلتين ليعيد النظر في علاقته مع الله عز وجل ، وفي سلوكه وتصرّفاته ؟ ومن منّا فكّر في أنه هل هو من أهل الجنّة أم من أهل النار ، وهل أنّ أعماله قرآنية أم لا ؟
وإذا ما مات الإنسان فإنّ فرصته لا يمكن أن تعود ، فلماذا يستمرّ في خداع ذاته ، ولماذا لا يتنبّه من غفلته ، وقد ورد : ” الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا “.
وأن تصورنا إنّ الإنسان يشبه إلى حد كبير الرجل الذي ابتلع مجموعة ضخمة من الحبوب المنوّمة ، وهو يعرف أن علاجه أن يستيقظ من النوم ليداوي ويعالج نفسه بقوّة إرادته ، ثم هو يوقظ نفسه ولكن لعدة دقائق تضعف إرادته بعدها ليتغلّب عليه النوم مرّة أخرى ، ثم ينتبه مرّة أخرى من خلال عامل إيقاظ ذاتي أو خارجي ثم إذا به ينام مرّة أخرى وهكذا . وحتى ينتبه الانتباه المطلوب فانه بحاجة إلى المزيد من الوقت .
وقد أثبت علم النفس الحديث أن الإنسان إذا تعوّد (مثلاً) أن يطالع في غرفة معينة ووفق شروط خاصّة خلال ساعة محدّدة ، فعندما يحين الوقت يجد نفسه مشدوداً إلى المطالعة دون إرادته ، وهذه عادة النفس البشرية .
ختام القول :
يستفاد من نصوص دينية عديدة أن ليلة القدر هي ليلة الـتـقدير و الـتدبير و إتخاذ القرارات الحكيمة من الله سبحانه و تعالى التي قد تتعلق بمسائل الكون و الحياة و تصنع للبشر تاريخاً مشرقاً إذا أعتمدت تلك القرارات و تم العمل على أساسها. و هي ليلة وجدت في عهد الأنبياء و هي باقية الى يوم القيامة كما جاء في بعض النصوص الدينية المروية عن رسول الله عليه السلام جاء فيها : (أن رسول الله سئل عن القدر أنه شيء يكون على عهد الأنبياء ينزل عليهم فيها الأمر فإذا مضوا رفعت قال : لا بل هي باقية الى يوم القيامة). و في القرآن الكريم أنها الليلة التي يفرق فيها كل أمر حكيم. و من الواضح أن الأمر الحكيم له أفراد كثيرة قبل نزول القران الكريم و بعده و إلى يوم القيامة. فبعث الأنبياء كان من الأمر الحكيم، و إنزال الكتب السماوية كان من الأمر الحكيم. و لولا بعثة الأنبياء و ما أنزل الله عليهم من الكتب و التعاليم لكان تاريخ البشرية غير التاريخ الذي نقرؤه. فإن تلك الأحداث السماوية هي التي حولت مجرى الحياة البشرية من الظلمات الى النور و من الضلالة الى الهدى و هي التي أرشدت الإنسان الى سواء السبيل و مهدت له الطريق من أجل حياة تحكمها مبادىء الخير و مثل الحق . وهنا لا بد من الـتـنبـيـه على أمر و هو أن ليلة القدر ليست هي البساط السحري كما يتصوره بعض الناس و أنه ينتظر المعجزة التي تنقله من الشقاء الروحي الى السعادة الروحية و الإيمان و التي تنقله من الشقاء الدنيوي الى السعادة الدنيوية بدون عمل و لا إرادة و لا إختيار فإن الأنسان هو كائن له إرادته و حريته و إختياره فهو يطيع الله بإرادته وبإختيار سبل الإيمان و ليس مكرهاً على ذلك و هو الذي يحقق الخير أو الشر بإرادته و إختياره لأن المجبور على فعل الخير أو فعل الشر لا يستحق بنظر العقل ثواباً و لا عقاباً فليلة القدر لا تصنع المعجزة في حياة الإنسان فرداً و مجتمعاً إلا من خلال تصميم الفرد و المجتمع على العمل الصالح و إرادة الخير و هذا التصميم الصادق و الإرادة الراسخة يجعلان من الإنسان موضعاً للألطاف الإلهية التي تصدر في ليلة القدر و تجعله مشمولاً لقرار العفو الألهي الشامل عن المذنبين في هذه الليلة المباركة و قد جاء في الحديث عن رسول الله عليه الصلاة و السلام ( أن الله يغفر في تلك الليلة لجميع المؤمنين و لم يغفر لأربعة مدمن الخمر و العاق والديه و القاطع الرحم و المشاحن ) و في نص ديني آخر ( أنه إذا كانت ليلة القدر غفر الله ذنوب عباده إلا لرجل بينه و بين أخيه شحناء فيقول الله عز و جل أنظروا هؤلاء حتى يصطلحوا ) .
اللهم انصر الاسلام و المسلمين
اللهم اخذل الكفر و الكافرين و المنافقين

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى