آخر الأخبار
ألمقالات

تحت ركام الوطن

تحت ركام الوطن

مرتضى حسن الغانمي

كانوا صائمين…
نهارهم الأخير كان خفيفًا كدعاء،
وثقيلًا كقدرٍ لا يُرى.
هنا تحت هذا الركام الذي ما زالت جدرانه تتنفس غبار الحرب،
اصطفّت توابيتهم في صمتٍ موجع،
كأنّ الأرض نفسها انحنت قليلًا
لتحتضن أبناءها الذين عادوا بلا نبض.
كلُّ تابوتٍ هنا ليس خشبًا مغطّى بعلم،
بل حكاية بيتٍ كاملٍ انكسر. هناك أمٌّ
كانت تضع الماء على مائدة الإفطار
وتقول:
“دعوها ساخنة… سيصل قبل الأذان.”
كانت تحدّق في الباب
كلما مرّ ظلٌّ في الزقاق،
وكلما طرق أحدهم الجدار
ارتجف قلبها ظنًّا أنّه عاد.
لكن الذي عاد…لم يكن خطاه عاد اسمه محمولًا على خشبٍ بارد.
عاد صامتًا
تحت علمٍ يرفرف فوق صدرٍ لن يتنفس مرةً أخرى.
وها هو العيد يقترب في الأزقة
الأطفال يقيسون ثيابهم الجديدة،
ويضحكون لكن في بيوت هؤلاء
سيفتح طفلٌ صغير خزانة أبيه،
ويمسك قميصه الذي ما زال يحتفظ برائحته،
ثم يسأل بصوتٍ مرتجف: أمي
هل سيعود أبي قبل العيد؟”
ولا تعرف الأم كيف تشرح لطفلٍ
أن العائدين في التوابيت لا يطرقون الأبواب.
كيف تخبره أن أباه أفطر هذا العام
في السماء. في هذه الصورة لا ترى توابيت فقط بل ترى أمهاتٍ انكسر ظهر الانتظار في صدورهن،
وترى أطفالًا سيكبرون
وهم يحفظون وجه آبائهم من الصور فقط.
وترى عيدًا يمرّ على بيوتٍ كثيرة
كالريح الباردة. هؤلاء لم يموتوا فجأة…
بل تركوا خلفهم
صحون الإفطار التي لم تُمسّ،
وأحلام الأطفال، ودعوات الأمهات
التي ما زالت معلّقة بين الأرض والسماء.اصطفّوا هنا
كأنهم يصلّون صلاةً أخيرة،لكن هذه المرّةالمصلّون صامتون، والتكبير
في قلوب الأمهات المكسورة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى