جنوب العراق… «نقطة الغليان» في صراع الأجندات الإقليمية

تقرير : علي الزيدي
لم يعد التغير المناخي في جنوب العراق مجرد تحدٍّ بيئي عابر، بل تحوّل إلى عامل ضغط جيوسياسي يعيد رسم خرائط المصالح في المنطقة. وبينما تمضي دول المنبع في تكريس مفهوم “الأمن المائي القومي”، يجد العراق نفسه في موقع المتلقي المباشر لنتائج سياسات مائية تتجاوز حدوده، ليصبح الجنوب بؤرة تقاطع بين المناخ والسياسة.
عقدة المنبع… وحسابات القوة
تمضي رجب طيب أردوغان في تنفيذ مشروع جنوب شرق الأناضول (GAP)، الذي يُعد أحد أكبر المشاريع التنموية في تركيا، بهدف تعزيز الإنتاج الزراعي وتوليد الطاقة. في المقابل، تتجه إيران إلى إعادة تنظيم مواردها المائية وتحويل مسارات بعض الأنهار الحدودية لمواجهة تحديات الجفاف في الهضبة الإيرانية.
هذه السياسات، وإن كانت مشروعة من منظور المصالح الوطنية لتلك الدول، تنعكس مباشرة على مجرى نهري نهر دجلة ونهر الفرات، حيث تسجل المحافظات الجنوبية، ولاسيما البصرة وميسان، انخفاضاً غير مسبوق في المناسيب، ما يضع الأمن المائي العراقي أمام اختبار حقيقي.
المناخ كعامل تهديد للأمن الإقليمي
لم يعد الجفاف شأناً محلياً؛ فاستمرار التدهور البيئي في جنوب العراق يحمل تداعيات عابرة للحدود، من أبرزها:
نزوح داخلي وإقليمي محتمل: تفاقم شح المياه وتراجع الزراعة قد يدفع بموجات هجرة تمتد آثارها إلى خارج الحدود العراقية.
تراجع التجارة البينية: انحسار النشاط الزراعي يقلل من القدرة الشرائية ويؤثر في الأسواق الإقليمية المرتبطة بالعراق.
هشاشة الاستقرار السياسي: الضغوط المناخية والاقتصادية قد تولد بيئات قابلة للاحتقان، وهو سيناريو لا يخدم أيّاً من عواصم المنطقة.
من الاستعطاف إلى دبلوماسية المصالح
أمام هذا الواقع، تبدو الحاجة ملحة إلى تبني مقاربة عراقية مختلفة، تنتقل من خطاب الشكوى إلى توظيف أدوات “الدبلوماسية المناخية”. إن ربط ملفات الطاقة والاستثمار والتبادل التجاري بملف المياه قد يشكل مدخلاً عملياً لبناء توازن مصالح يضمن استدامة المورد الحيوي.
فالمعادلة اليوم لم تعد بيئية فحسب، بل استراتيجية بامتياز: ما يتبخر في جنوب العراق لن يبقى أثره محصوراً داخله، بل سيمتد ليطال عمق الإقليم بأكمله.




