العراقي بين رابطة الدم ووحدة الدين والمذهب..

العراقي بين رابطة الدم ووحدة الدين والمذهب..
بقلم //الكاتب والخبير السياسي
حسن درباش العامري
تتعدد الروابط التي تجمع الشعوب، فمنها ما يقوم على وحدة الدم والنسب، ومنها ما يقوم على وحدة الدين والعقيدة والمذهب. وفي واقع العراق الجغرافي والتاريخي تتقاطع هاتان الرابطتان بوضوح؛ فالعراق يرتبط مع محيطه بروابط متشابكة، بعضها يقوم على التاريخ والقبيلة والنسب، وبعضها يقوم على العقيدة والإيمان.
ولعل أوضح مثال على رابطة الدم ما نجده بين الشعبين العراقي والكويتي. فالكويت في مراحل من التاريخ كانت جزءاً من الجغرافيا العراقية، وهذه حقيقة تاريخية قد تثير حساسية لدى بعض الإخوة في الكويت، لكنها تبقى حقيقة لا يمكن إلغاؤها بالمجاملة أو مراعاة الخواطر. إن الدم الذي يجري في عروق الكويتيين هو في جانب كبير منه ذات الدم الذي يجري في عروق العراقيين، فالقبائل متداخلة، والتاريخ الاجتماعي واحد، والأواصر العائلية ممتدة بين الطرفين.
في المقابل، هناك رابطة أخرى تجمع العراقيين مع الشعب الإيراني، وهي رابطة الدين والعقيدة والمذهب، وهي رابطة ذات عمق روحي وفكري يتجاوز حدود الجغرافيا والعرق. بل إن النصوص الدينية نفسها قدّمت رابطة الإيمان على رابطة الدم عندما يتعارضان، كما جاء في قوله تعالى:
{وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَىٰ أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ}.
فهنا جعل القرآن معيار القرب الحقيقي هو الإيمان والإنابة إلى الله، حتى لو كان الطرف الآخر أقرب الناس نسباً.
لكن السؤال الذي يطرح نفسه: لماذا اخترنا الكويت وإيران مثالاً عند الحديث عن هذه الروابط؟
السبب أن الدولتين تشتركان مع العراق في تجربة تاريخية واحدة مؤلمة؛ فالعراق في زمن النظام السابق، بقيادة صدام حسين، دخل في حرب مع إيران استمرت ثماني سنوات، ثم قام بغزو الكويت، وهي أحداث تركت جراحاً عميقة وخسائر بشرية ومادية هائلة لدى الطرفين.
غير أن المثير للتأمل هو أن ردود الفعل تجاه العراق بعد سقوط ذلك النظام لم تكن متشابهة بين الدولتين.
فالكويت سلكت طريقاً قانونياً وسياسياً صارماً في المطالبة بالتعويضات، وقد وصلت تلك التعويضات إلى أرقام كبيرة بلغت نحو 52 مليار دولار عبر آليات الأمم المتحدة. وقد استمرت هذه المطالبات لسنوات طويلة،ثم يعقبها محاولات كويتية للاستيلاء على النافذ البحريه العراقيه بمساعده بعض الخونه الذين باعوا المياه الاقليميه العراقية للكوت من اجل اتمام خنق العراق بحريا ،ثم اعقبها الزوبعة الكويتيه والخليجيه لدفع العراق للتنازل عن خراىط الحدود العراقيه المودعة لدى الامم المتحدة، ما ترك لدى كثير من العراقيين شعوراً بأن العلاقة لم تتجه نحو المصالحة الكاملة رغم زوال النظام الذي تسبب بتلك المأساة.
في المقابل، لم تتجه الجمهورية الإسلامية الإيرانية إلى المطالبة بتعويضات مالية من العراق بعد عام 2003، على الرغم من الخسائر الهائلة التي تكبدتها خلال الحرب العراقية الإيرانية. بل إن المواقف الإيرانية الرسمية في أكثر من مناسبة ركزت على طي صفحة الماضي والتعامل مع العراق الجديد ضمن إطار العلاقات السياسية والدينية المشتركة.حتى ان المرشد الاعلى كان يرفض مطالبه العراق باي مبلغ كتعويضات عن خسائر الحرب رغم ماتعانية من حصار اقتصادي ظالم عليها..
هذا التباين في التعامل يثير نقاشاً واسعاً لدى العراقيين حول طبيعة العلاقات بين الشعوب، وحول أي الروابط تكون أكثر تأثيراً في توجيه المواقف: هل هي رابطة الدم والقومية، أم رابطة الدين والعقيدة؟
فالبعض يرى أن الروابط القومية وحدها لا تكفي لبناء علاقات متسامحة بين الشعوب، وأن الثقافة المجتمعية والدينية تلعب دوراً مهماً في تشكيل طريقة التعامل مع الماضي. بينما يرى آخرون أن الدول في النهاية تتحرك وفق مصالحها السياسية والاقتصادية قبل أي اعتبارات أخرى.
ومهما اختلفت التفسيرات، تبقى الحقيقة أن العراق يقع في قلب شبكة معقدة من العلاقات التاريخية والدينية والجغرافية، وأن مستقبله يعتمد على قدرته في بناء علاقات متوازنة مع الجميع، تقوم على احترام السيادة، وتبادل المصالح، وتجاوز جراح الماضي دون نسيان دروسه.
فالعراق اليوم ليس بحاجة إلى استدعاء الصراعات القديمة، بل إلى بناء مرحلة جديدة يكون فيها التفاهم والتعاون أساس العلاقات مع محيطه العربي والإقليمي، لأن قوة العراق الحقيقية لا تتحقق إلا حين يكون جسراً للتقارب لا ساحة للصراع…




