قراءة واقعية في التناقض السياسي لموقف محمد شياع


قراءة واقعية في التناقض السياسي لموقف محمد شياع
✍🏻 احسان الموسوي
1 مارس 2026
في خضم المواجهة المشتعلة التي تعصف بالمنطقة بين ايران من جهة والولايات المتحدة واسرائيل من جهة اخرى برز موقف محمد شياع السوداني بوصفه واحدا من اكثر المواقف اثارة للجدل والتناقض في المشهد العراقي اذ اعلن اتصالاته بدول الخليج عارضا دعمها ومساندتها في حماية سيادتها بعد تعرض اراضيها لهجمات صاروخية ضمن دائرة التصعيد الاقليمي
هذا الطرح للوهلة الاولى يبدو خطابا تضامنيا او دبلوماسيا لكنه عند تفكيكه واقعيا يكشف مفارقة سياسية صارخة يصعب تبريرها بمنطق الدولة او الحسابات العسكرية فالسؤال الذي يفرض نفسه بقوة هو كيف يمكن لحكومة لم تنجح حتى اللحظة في فرض سيادتها الكاملة على مجالها الجوي وحدودها وقرارها الامني ان تعرض نفسها كضامن لسيادة الاخرين
العراق منذ سنوات ليس سيدا كاملا على سمائه فالمقاتلات والطائرات المسيرة تعبر اجواءه بصورة متكررة من دون قدرة فعلية على المنع او الردع والضربات الجوية التي استهدفت مواقع داخل اراضيه وقعت اكثر من مرة من دون ان تمتلك الدولة وسائل حقيقية لاعتراضها او محاسبة منفذيها وهذه ليست قراءة سياسية منحازة بل حقيقة ميدانية يدركها الجميع
فاذا كانت السماء العراقية نفسها مفتوحة امام الطيران الامريكي والاسرائيلي واذا كانت اراضي العراق تتحول في كثير من الاحوال الى ممر او ساحة رسائل نارية بين القوى الكبرى فاي معنى يبقى لخطاب حماية سيادة الاخرين قبل تثبيت السيادة الوطنية داخليا
الاخطر من ذلك ان العراق لم يكن بعيدا عن كلفة هذا الصراع فالهجمات التي طالت مقار لفصائل عراقية وسقوط ضحايا من ابناء البلد اظهرت ان السيادة ليست مجرد شعار يرفع في البيانات بل قدرة عملية على منع الانتهاك وحماية الدم العراقي وعندما تعجز الدولة عن منع استهداف مواقع داخل حدودها يصبح الحديث عن توفير مظلة حماية اقليمية اقرب الى الطموح السياسي منه الى الخطة الواقعية
موقف محمد شياع يبدو في هذا السياق محاولة لارسال رسائل سياسية للخارج اكثر منه تعبيرا عن قوة داخلية فالسيادة لا تصدر ولا تمنح بالايمان اللفظي بل تبنى بتوازن ردع وبنية دفاع جوي وقرار امني مستقل ومن دون هذه الادوات يتحول العرض الى خطاب معنوي لا يغير من المعادلة العسكرية شيئا
كما ان دول الخليج نفسها تدرك ان حمايتها تقوم اساسا على تحالفاتها الدولية وقدراتها الدفاعية الخاصة لا على وعود سياسية من دولة ما زالت تخوض معركة تثبيت نفوذها داخل حدودها ولذلك فان اي قراءة موضوعية ترى ان الاولى بالحكومة العراقية ان تنصرف الى تحصين الداخل اغلاق الاجواء بناء منظومات دفاع حقيقية وتوحيد القرار العسكري قبل الانخراط في ادوار اقليمية اكبر من القدرة الفعلية
الخلاصة ان السياسة الرشيدة تبدأ من الداخل لا من الخارج ومن لا يملك السيادة الكاملة على ارضه لا يستطيع ضمان سيادة غيره وان الواقعية الاستراتيجية تفرض ترتيب الاولويات فحماية بغداد تسبق حماية اي عاصمة اخرى وتثبيت القرار الوطني شرط اساسي قبل الحديث عن ادوار اقليمية واسعة وفي زمن الحروب المكشوفة لا مكان للخطابات الرمزية بل للحقائق الصلبة على الارض فقط .





