آخر الأخبار
البصمة الرقمية تقود لأصحاب الحسابات الوهمية.. و«الشير» جريمة إندرايف تحول رحلاتها ومشاهدات اغنية رمضان “ وحوي يا وحوي” إلى تبرعات لتوفير 5,000 كرتونة بالتعاون مع... تدريسي في كلية التربية البدنية يتلقى دعوة لعضوية لجنة تحكيم الإنتاج العلمي بجامعة الملك سعود انطلاق البطولة الرمضانية للدوائر الحكومية في واسط عميد كلية التربية البدنية وعلوم الرياضة يستقبل منتخب العراق للاكروس الحاصل على فضية آسيا في الرياض حوارات مع المبدعين/الكاتب/محمد وليد. مصر العربية وكيل الوزارة لشؤون النقل والتوزيع ، يرأس اجتماعاً لمناقشة المراحل النهائية لتهيئة تشغيل الربط الكهرب... شعبة شؤون المرأة بالشركة العامة لإنتاج الطاقة الشمالية تنفذ حملة موسعة لتشجير محطة سامراء الحرارية رئيس نقابة المعلمين فرع البصرة يزور المديرية العامة للتربية في المحافظة لمتابعة موضوع العلاوات والتر... المدير العام لشركة الحفر العراقية يترأس الاجتماع الثاني لمجلس الإدارة لعام 2026
ألمقالات

إدارة الإحراج السياسي بعد فضيحة إبستين: قراءة في استراتيجيات الاتصال والهيمنة الرمزية

إدارة الإحراج السياسي بعد فضيحة إبستين: قراءة في استراتيجيات الاتصال والهيمنة الرمزية | نداء يونس
كاتبة | فلسطينية

 

عندما تواجه السلطات فضائح تمسّ شرعيتها الأخلاقية والسياسية، لا تتجه بالضرورة نحو المساءلة والشفافية، بل تلجأ غالبًا إلى منظومة متكاملة من التقنيات الاتصالية لإدارة الضرر الرمزي وإعادة ضبط صورتها أمام الرأي العام. وقد شكّلت فضيحة جيفري إبستين مثالًا كاشفًا على هذا النمط من السلوك السياسي والإعلامي، حيث تحوّلت من قضية استغلال وشبكات نفوذ إلى أزمة علاقات عامة جرى احتواؤها تدريجيًا.
في المرحلة الأولى، برزت استراتيجية الإنكار والتقليل من الحدث، من خلال نفي شخصيات سياسية، وعلى رأسهم دونالد ترامب، أي علاقة حقيقية بإبستين، رغم وجود أدلة موثّقة على تواصل سابق بينهما. بالمقابل، جرى تقديم القضية بوصفها سلوكًا فرديًا منحرفًا، لا انعكاسًا لبنية حماية سياسية واقتصادية، ما سمح بفصل النخب عن دائرة الاتهام المباشر.
بالتوازي مع ذلك، تم استخدام آلية تحويل الانتباه عبر إغراق الفضاء الإعلامي بقضايا بديلة، مثل الصراعات الحزبية، وملفات الهجرة، والحملات الانتخابية، إضافة إلى الخطاب التصعيدي حول حرب ايران. أسهم هذا الإلهاء المستمر في تقليص حضور قضية إبستين في الوعي العام، وتحويلها إلى خبر ثانوي وسط زحام الأحداث.
وفي سياق متصل، أُعيد تأطير القضية ضمن إطار إداري وقانوني ضيق، ركّز على “فشل نظام السجون” و”إهمال الحراس”، و”تسهيل دعارة” بدل تأطيرها كفضيحة سياسية. انصبّ الاهتمام الإعلامي على كيفية وفاة إبستين، لا على شبكة علاقاته، ما حوّل النقاش من مساءلة النفوذ إلى مساءلة الإجراءات.
ولتعزيز هذا المسار، جرى تحميل المسؤولية لأطراف ثانوية، عبر محاسبة موظفين محدودي الصلاحية، وتقديمهم كمسؤولين مباشرين عن الإهمال، في حين ظلّت الشخصيات النافذة بمنأى عن التحقيق الجدي. وقد أدّى هذا الأسلوب إلى توفير “كبش فداء” رمزي يخفّف الضغط عن مراكز القرار.
في الوقت نفسه، استُخدم الخطاب العاطفي بوصفه أداة مركزية لإعادة بناء الصورة العامة، من خلال التركيز على أنشطة إنسانية مصوّرة، مثل الظهور مع الأطفال (ممداني وترامب)، وتنظيم فعاليات خيرية (ترامب وتوزيع ادوية أرخص)، وتوزيع الهدايا على أطفال في البيت الابيض، والترويج لمبادرات اجتماعية. هدفت هذه الممارسات إلى إنتاج سردية أخلاقية بديلة تُضعف أثر الفضيحة، وتستثير التعاطف بدل النقد.
أما على مستوى الخطاب الرسمي، فقد تم اللجوء إلى الاعتذار الجزئي أو المشروط، عبر بيانات تعبّر عن “الأسف” و”القلق”، لدي حلقات أضعف كما في وضع أمراء آوروبا، دون اعتراف صريح بالفشل المؤسسي أو تحمّل مسؤولية سياسية. شكّلت هذه الصيغة من الاعتذار وسيلة لتفريغ الغضب دون إحداث تغيير فعلي.
كما لعب التحكم بالمعلومة دورًا محوريًا في إدارة الأزمة، من خلال حجب وثائق، وتأخير نشر ملفات حساسة، وتصنيف معلومات، وتقييد وصول الصحفيين إلى مصادر التحقيق. أسهم هذا التقييد في خلق فراغ معرفي، ملأته الشائعات والتكهنات بدل الوقائع الموثّقة. يضاف إلى ذلك، اشتغال جهات “مجهولة” عللا إغراق الفضاء الرقمي بصور مزيفة ومنجة بالذكاء الصناعي لتحييد التلقي وإثارة الشكوك.
وفي موازاة ذلك، جرى تجنيد وسائل إعلام وشخصيات مؤثرة للدفاع عن الرواية الرسمية، أو التقليل من أهمية القضية، أو التركيز على تفاصيل مثيرة على حساب المحاسبة. وقد ساعد هذا التوظيف الإعلامي في إعادة إنتاج خطاب مهيمن يحدّ من تنوّع التفسيرات.
ومع تصاعد النقد، فُعّلت آلية شيطنة المنتقدين، من خلال وصم المشكّكين بأنهم “مسيّسون” أو “مؤامراتيون”، ونزع الشرعية عن أسئلتهم. في هذا السياق، ساهم الإعلام في صناعة “صور ذهنية” لدى الجمهور مفادها أن القضية انتهت، وأن المسؤول الرئيسي مات، ولا جدوى من الاستمرار في المطالبة بالمحاسبة.
إلى جانب ذلك، جرى توظيف الخطاب الديني بوصفه مصدرًا للشرعنة الرمزية، عبر ربط القيادات المتورطة بالقيم المسيحية، كما في دعوة ترامب لمسيرة تحت عنوان الدعوة إلى “توحيد الأمة تحت راية الرب”، والتأكيد على الاستحقاق الأخلاقي والأخروي بأنه سيذهب إلى الجنة. أدّى هذا الخطاب إلى نقل النقاش من المجال السياسي إلى المجال القيمي المقدّس، بما يصعّب مساءلته.
في المحصلة، تكشف حالة إبستين أن السلطة لم تتعامل مع الفضيحة باعتبارها فرصة لإصلاح منظومة العدالة، بل كأزمة صورة تتطلب إدارة إعلامية دقيقة. وقد جرى توظيف منظومة متكاملة من الإنكار، والإلهاء، وإعادة التأطير، والخطاب العاطفي، والتحكم بالمعلومة، وشيطنة النقد، لإعادة تشكيل وعي الجمهور وتحجيم مطالب المساءلة. وهكذا تحوّلت الفضيحة من قضية عدالة ومحاسبة إلى حدث عابر في الذاكرة العامة، خاضع لمنطق العلاقات العامة لا لمنطق الحقيقة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى