الدكتور كريم علكم الكعبي… سيرة عالمٍ أحبَّ العمارة وكتبها في قلبه


الدكتور كريم علكم الكعبي… سيرة عالمٍ أحبَّ العمارة وكتبها في قلبه
في مدينةٍ تتكئ على ضفاف دجلة، وتفتح ذراعيها للأهوار والقصائد، نشأ رجلٌ جعل من اللغة العربية طريقاً للحياة، ومن البحث في التراث رسالةً لا تنقطع. هناك، في ميسان بكل مدنها ونواحيها، كان للدكتور كريم علكم الكعبي حضورٌ علمي وثقافي ترك بصمته في العمارة خاصة، وفي العراق عامة، حتى غدا اسمه مقترناً بالعطاء الأكاديمي والغيرة على الهوية.
وُلد عام 1947 في ناحية السلام بمحافظة ميسان، وأكمل دراسته الابتدائية فيها حتى عام 1958، قبل أن ينتقل إلى بغداد لمواصلة دراسته المتوسطة والإعدادية. في العاصمة، تبلورت ميوله الأدبية، فاختار دراسة اللغة العربية في كلية الآداب بـجامعة بغداد، ليحصل على شهادة البكالوريوس، ويبدأ بعدها مسيرة طويلة في ميدان التعليم.
عاد إلى محافظته ليعمل مدرساً للغة العربية في المدارس الثانوية بين عامي 1969 و1993، فكان مربياً قبل أن يكون معلماً، يزرع في طلبته حب المطالعة والبحث، ويشجعهم على كتابة البحوث والانفتاح على الثقافات المختلفة. عُرف بأسلوبه المتقن في التدريس، وبنشاطه في الندوات والدورات التربوية، فضلاً عن اهتمامه بتحقيق الكتب والمخطوطات التراثية. وعلى مدى عقدين، واظب على الكتابة في مجلة التراث الشعبي، متناولاً موضوعات الفلكلور والحياة الشعبية، ومسلطاً الضوء على الظواهر الاجتماعية بوصفها جزءاً من هوية المجتمع.
نال شهادة الماجستير عام 1987 من كلية الآداب في جامعة بغداد عن رسالته الموسومة “الناشئ الأكبر.. حياته وأدبه”، التي تناول فيها دراسة شخصية الشاعر الكبير الناشئ الأكبر، أحد أعلام القرن الثالث الهجري، مبرزاً إسهاماته في النحو والنقد والعروض والمنطق والدين والطب والفلك. وقد طُبع الكتاب لاحقاً بطبعة منقحة عام 2012، ليكون مرجعاً مهماً للباحثين.
ثم واصل دراساته العليا، فحصل على الدكتوراه عام 1997 من كلية الآداب في جامعة البصرة عن أطروحته “ابن معصوم المدني أديباً وناقداً”، حيث درس شخصية علي صدر الدين المدني المعروف بابن معصوم، بوصفه أديباً وناقداً مثّل امتداداً حياً للتراث العربي في مرحلة تاريخية اتسمت بالتراجع والانكسار، مؤكداً حضوره الفكري ودفاعه عن عروبته وإسلامه.
عمل مدرساً ورئيساً لقسم اللغة العربية في كلية المعلمين بجامعة البصرة بين عامي 1993 و1997، ثم انتقل في أواخر تسعينيات القرن الماضي إلى ليبيا، حيث درّس في كلية الآداب بجامعة الجبل الغربي حتى عام 2007. هناك، واصل نشاطه العلمي، وشارك في مؤتمرات وورش تربوية، ساعياً إلى تنشيط الدرس الأكاديمي وتعميق صلة الطلبة بالأدب وعلومه.
من مؤلفاته المهمة كتاب “اللغة العربية لطلبة المعاهد والكليات غير الاختصاص طبقاً للمنهج المقرر”، الذي أُعيد طبعه مرتين واعتمد منهجاً دراسياً في عدد من الكليات والمعاهد في محافظة ميسان، مما يعكس أثره العملي في تطوير التعليم الجامعي.
وبعد عودته إلى العراق، انخرط في التدريس بكلية التربية الأساسية في جامعة ميسان، وظل مواظباً على البحث والكتابة رغم معاناته الطويلة مع مرض السكري. نشر مقالات في جريدة الصباح، وكتب عن شخصيات أدبية في جريدة المشرق، كما تناول قضايا المرأة والطفل في جريدة طريق الشعب، وواصل عطاؤه في جريدة ميسان الثقافية. وعكف على دراسة وتحليل حياة وأدب عدد من الأعلام، منهم الشاعر عبد المنعم الفرطوسي والعلامة اللغوي إبراهيم السامرائي، ضمن مخطوطة أنجزها.
أما كتابه “الأهوار.. بيئة ساحرة وخيرات وفيرة / أهوار ميسان أنموذجاً”، فكان دراسة وافية عن الأهوار بوصفها بيئة مكانية وفضاءً اجتماعياً يمتاز بفرادته وثرائه الإنساني، كاشفاً عن عمقها الحضاري وما تختزنه من دلالات ثقافية. كما شارك في تأليف كتاب “تلول ميسان الأثرية.. شواخص حضارتها” مع باحثين مختصين، مسلطين الضوء على التلول المنتشرة شرق وغرب دجلة، والتي يسميها الأهالي “اليشن”، في إشارة إلى جذورها السومرية وامتدادها التاريخي.
لم يكن المرض عائقاً أمامه؛ فحتى بعد تعرضه لحادث سير وإحالته إلى التقاعد، ظل وفياً للقلم، يدقق بحوث الطلبة، ويواصل الكتابة والتحقيق في قضايا اللغة والتراث، مستعيناً بعدسة مكبرة ليتابع حركة الحرف بدقة العاشق للغته.
رحل في الثلاثين من حزيران عام 2015 بعد صراع مع الفشل الكلوي، لكن أثره ظل حاضراً في ذاكرة العمارة التي أحبها وكتب عنها، وفي قلوب طلبته وزملائه، وفي رفوف المكتبات التي تحتضن مؤلفاته.
إن سيرة الدكتور كريم علكم الكعبي ليست مجرد سردٍ لمحطات علمية، بل حكاية أستاذٍ آمن بأن اللغة هوية، وأن التراث مسؤولية، وأن مدينة مثل العمارة تستحق أن تُكتب بحبر الوفاء، كما كتبها هو في حياته علماً ومحبةً وانتماءً.





