آخر الأخبار
ألمقالات

من المسؤول؟

من المسؤول؟
حين يصبح الرمز الثقافي في موقع الخدمة وحين يتحوّل إلى مشهد عابر | سمية زكي البطاط
كاتبة وإعلامية | عراقية

 

لا يمكن أن نسلم بحقيقة ساذجة أن الفيديو الذي انتشر مؤخراً مجرد لقطة عابرة وبالضرورة لا يمكن أن نحيل المشهد إلى منطقة المؤامرة، هو في النهاية سوء تقدير وقلة خبرة بل انعدام خبرة وفوضى تشمل كل شيء، فوضى سينتج عنها يوما ما، ما هو غير قابل للإصلاح ان لم يتم حسم الأمور بأسلوب يتماشى مع القوانين العالمية للإعلام الاجتماعي وحتى الإعلام الموجه خصوصا أن فضاء العراق أصبح مزدحما بالمحتوى الخارج عن السيطرة، وهي ظاهرة ليست صحية على الإطلاق
كان مشهداً صادماً في دلالته، مستفزاً في رمزيته. أن يظهر شاعر بحجم شاعر العرب الأكبر “محمد مهدي الجواهري” في لقطة بروتوكولية يقدم الشاي لرئيس مجلس الوزراء محمد شياع السوداني، وأن يُستحضر في السياق ذاته مشهد تاريخي يُظهر السياسي العراقي نوري السعيد وهو يقدم الشاي لرئيس البرلمان الأسبق محمد الحلبوسي — فالمشكلة هنا ليست في “استكانة شاي” بل في الصورة التي أعادت ترتيب القامات داخل المشهد.
الأمر يتجاوز المجاملة العابرة إلى سؤال أعمق: من يختزل من؟ ومن يوظّف من؟..
أكرر أن القضية ليست في “استكاك الشاي” وليست في البروتوكول. وليست حتى في تبادل التحايا بين السياسة والثقافة. بل في الصورة، وفي ما ترسخه الصورة من معادلات رمزية.
حين يصبح الرمز الثقافي في موقع الخدمة، وحين يُلغى الرأي العام وحين يتطاول المخطئ على الثوابت الثقافية والأخلاقية، وحين ينسف المشهد البصري أمام أجيال قادمة يفترض أنها تستمد تلك الثوابت والأخلاقيات من عقول تقدمت المشهد كمعرفة وعلم ووعي، إن الرسالة التي بثت إلى الجمهور ليست بريئة واذا كانت كذلك فنحن امام حالة ساذجة لا براءة.
الثقافة في وجدان الشعوب ليست زينة، والمشهد الرسمي ليس تفصيلاً تجميلياً في خلفية السلطة. إنها مسؤولية السلطة وضمير المجتمع، وصوته الحر ومساحته النقدية.
عندما يُعاد ترتيب هذا الموقع — ولو بلقطة قصيرة — فإن الوعي الجمعي يلتقط الإشارة سريعاً.
أكثر ما عقد الأمر هو موقف الشخصية التي نفذت المشروع حين وصفت المجتمع بالجهل وحين ادعت أن عادة تناول الشاي هي رمز اجتماعي أكثر أهمية من رموز ثقافية وسياسية، بل أنّ الأكثر تعقيدا أنها تعني شخص الجواهري بحد ذاته!.
هنا يبرز سؤال المسؤولية.
قانون الإعلام واضح في شروط التدقيق والمتابعة قبل البث. لا يُعقل أن يمرّ محتوى بهذا الثقل الرمزي دون مراجعة واعية لمعناه وتأثيره. البث ليس فعلاً تقنياً محايداً؛ إنه قرار. وكل قرار يحمل تبعاته، كما لا يمكن إعفاء المكاتب الرسمية من المسؤولية الأخلاقية. مكتب رئيس الوزراء، ومكتب رئيس البرلمان الأسبق، ليسا كيانات هامشية تتابع ما يُنشر عن بعد، كحال الشارع العام، بل هما مؤسستان تمتلكان فِرَقاً إعلامية كاملة، تُشرف وتراجع وتختار ما يُعرض، والادعاء بعدم العلم بالمشروع منذ بدايته يضعف الثقة أكثر مما يبرئ الساحة.
لكن المشكلة الأكبر ليست في احترام الضيف أو إكرام المضيف. المشكلة في إعادة صياغة موقع المثقف داخل الصورة العامة للدولة. الشعوب التي تحترم ثقافتها تحرص على ألا تتحول رموزها إلى أدوات مشهدية، إلا إذا كانت مدروسة وموظفة بشكل لائق ويضيف لا يُنقص.
نحن لا نهاجم، ولا نشكك في أخلاق أحد. لكننا نطالب بوضوح:
احترام الرمز الثقافي ليس شعاراً يُرفع، بل صورة تُصان.
والصورة حين تُبث، تصبح جزءاً من الذاكرة العامة، لا يمكن التراجع عنها ببيان توضيحي، ففي زمن الصورة، كل تفصيل محسوب، وفي زمن الوعي، الجمهور لا ينسى.
السؤال الذي يجب أن يبقى مفتوحاً:
هل نريد للثقافة أن تكون ضمير السلطة… أم ديكوراً فقط.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى