حين تتحوّل الهيبة إلى رعب… وتُجتثّ الأرض قبل الإنسان

حين تتحوّل الهيبة إلى رعب… وتُجتثّ الأرض قبل الإنسان
بقلم: حسن درباش العامري
سيارات سوداء من نوع GMC و«تاهو»، زجاجها معتم، ورجال بملابس داكنة، أسلاك في آذانهم، نظارات سوداء، ووجوه متجهّمة صُنعت بعناية لتخويف الناس.
هذا المشهد لم يعد استثناءً في العراق، بل أصبح نموذجًا شائعًا لكل من يبحث عن الهيبة المصطنعة؛ سياسيًا كان، أو رجل دين، أو شيخ عشيرة، أو حتى سارقًا عاطلًا.
الرسالة واحدة: نحن هنا… ولسنا مضطرين لتفسير شيء.
بهذا المشهد نفسه، داهمت أرتال من السيارات السوداء مزارع النجف، في منطقة بحر النجف، لتحوّل بساتين عامرة إلى ساحة انتهاك، في فعل لا يقلّ إجرامًا في معناه عمّا عرفه ضميرنا من مجازر وانكسارات كبرى.
كان عليّ، الشاب الفلاح، يبدأ صباحه بطمأنينة.
تحضّر له أمه فطورَه وغداءه، فيحملهما معه إلى بستانه المطل على بحر النجف، حيث يمتزج الأفق بقباب مرقد الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام)، وحيث تقف التلال الأثرية القريبة شاهدةً على جذور لا تنفصل عن الأرض ولا عن التاريخ.
هناك، اعتاد أن يوقد موقد الشاي، ويجتمع مع رفاقه من الفلاحين قبل بدء العمل.
كانت أيامهم بسيطة… لكنها ممتلئة.
لم تكن النخيل عند علي أشجارًا.
كانت أمًا وأبًا وأخوة.
كان ارتباطًا اختلط فيه ملح الأرض باللحم والدم، حتى صار الفقد فيها فقدًا للنفس لا للمكان.
في صباحٍ يشبه كل الصباحات، توقفت فجأة تلك السيارات السوداء قرب موضع جلوسهم.
فُتحت الأبواب بعنف، ونزل رجال بوجوه مغطّاة، لا يُعرف أَهم بشر أم ظلال، وكأنهم خرجوا من أفلام العصابات لا من أرض زرع وسلام.
دون سؤال، ودون كلمة، انهالوا ضربًا على علي ورفاقه.
«اخرجوا من أرضنا!»
أي أرض؟
لم يكن هناك جواب… فالجواب كان مزيدًا من العنف.
وفي الخلف، تقدّم رتل طويل من الحفّارات الثقيلة.
بعضها اندفع نحو قلب البساتين، وبعضها الآخر اتجه إلى التلال الأثرية، كأنّ الشجر والتاريخ صارا عائقين يجب إزالتهما.
تساقطت النخيل واحدة تلو الأخرى.
لم تسقط كخشب، بل كأجسادٍ مألوفة.
وقف علي أمام إحدى الحفّارات بلا وعي، صارخًا:
«اقتُلني قبل أن تقتلع نخيلي… موتي أهون من رؤيتها تُقتل. هذه أرضي، أرض أبي وأجدادي منذ مئات السنين».
لم يُكمل حديثه.
انقضّ عليه رجال السواد بأصوات خشنة وملامح مطموسة:
«اخرج… الأرض لنا. استولينا عليها بأمر من…»
وسكت الاسم.
لكن الجريمة كانت مكتملة.
لم تتوقّف الحفّارات.
ولم تُعاد الأرض.
وبقي الصمت هو القانون السائد.
عاد عليّ في ذلك اليوم إلى بيته متّسخ الثياب، مثقَل الجسد، مكسور النظرة.
لم يسأل عن الطعام، ولم يُخبر أمّه بما جرى.
جلس عند باب الدار، ينفض التراب عن يديه، كأنّه يحاول أن يعيد الأرض إلى جسده.
في تلك الليلة، لم ينم.
كان يسمع في داخله صوت النخيل وهي تسقط، لا صراخًا، بل أنينًا خافتًا، يشبه أنين الأم حين تُجرَح ولا تشتكي.
في الصباح التالي، عاد إلى المكان.
لم تكن هناك نخيل، ولا ظلّ، ولا موقد شاي.
لكنّه انحنى، أخذ حفنة تراب، قبّلها، ووضعها في جيبه، ثم وقف طويلًا ينظر إلى الفراغ.
لم يحمل حجرًا،
ولم يصرخ،
ولم ينتقم.
حمل الذاكرة فقط.
وما زالت الأرض هناك…
تُقتلع كل يوم،
لكنّها لم تمت.
لأن الأرض التي تُظلَم،
تبقى حيّة في أبنائها،
وتنتظر.




