الاستطراد اللغوي بين الشعر والسرد في رواية (المعتزلي الأخير وسقوط بغداد أو شرح ابن أبي الحديد الصغير نهج البلاغة) للكاتب محمد الخباز | فريد النمر

الاستطراد اللغوي بين الشعر والسرد في رواية (المعتزلي الأخير وسقوط بغداد أو شرح ابن أبي الحديد الصغير نهج البلاغة) للكاتب محمد الخباز | فريد النمر
ناقد وشاعر
رواية للشاعر الأستاذ السيد محمد الخباز
الصفحات: 392 صفحة
من منشورات دار كلمات
الطبعة الأولى 2026 م
مقدمة:
بين أن تقدم على رواية سردية بمعطيات الرواية الفنية ومسطرتها الزمنية وخلق شخصياتها الافتراضية وبين أن تسكنك كتب التراث لتنتخب ما لم يسرده التاريخ ليكون مادتك الروائية هو أن تحفر بمخيلتك من أحداث زمكانية تناسب تلك الشخوص الشاخصة في قراءتها تاريخيا ومعرفيا مكانة وقيمة، لما تشكله عند الرأي العام عبر تاريخية من سرد في أخبارهم وما ستقوله الرواية عن أخبار لم يدونها الزمن سوى في هذه الرواية للمعتزلي الأخير كحدث استطرادي لغوي وفني كمستدرك جديد لشرح صغير لابن أبي الحديد وسيرته وتعالقات فكره ومذهبه وتصوراته في عمل روائي يحكي الرواية غير المتعارف عليها عند العامة حسب الرواية الشامية لتكون هناك إفادات روائية تعتني بالرواية البغدادية عن سقوط بغداد من حيث الرؤية التي تقول إن الصراعات القائمة والفتن هي وحدها التي كانت كفيلة لهذا السقوط والذي هو تنبؤ ليس بالجديد في أخبار الإمام علي (عليه السلام) لتكون هذه الرواية شرحا صغيرا لتك الأحداث المدوية لسيرة مشتبكة في أزمنتها عبر استطراد لغوي معرفي تاريخي.
الاستطراد مفهوما واسلوبا
الاستطراد اللغوي بين الشعر والسرد في رواية المعتزلي الأخير وسقوط بغداد هو تعريف بسيط لاستطراد اللغة هي حالتها الأسلوبية التي اعتمدها الكاتب للفت النظر حول هذا الأسلوب المتبع في طريقته الفنية التي تدمج بين الخيال سردا وشعرا وكتابة كما هو في استدعاء الخطب والدعاء والشعر استدعاء تاريخيا معرفيا وكما استطرد مثلا الجاحظ في كتابه (الحيوان) والرسائل، وكما جاء عند الشاعر أبي العلاء المعري في رسالة الغفران المعتمدة أسلوب الاستطراد كبنية أساسية لأسلوبية مشوقة تحقق من خلالها المتعة اللغوية والحكائية والمعرفية والبيان في كتاب واحد يجمع بين القوة والجمال والإيجاز والإطناب والصنعة والرشاقة وتحقيق الغاية.
ففي هذا الكتاب الروائي تجد أن السيد الخباز مازال يحدو حدو امضائه السابق في تعالقه الخاص مع كتابه كتاب “رسالة الصاهل والشاحج” لأبي العلاء المعري بمغايرة موضوعية ومخيلة مختلفة قليلا محافظا على أسلوبيته كمفصل يرشح عنه بعض التقاطعات في البنية الذهنية للكتابة والتي هي محل تنبه وتنبأ لسلسة من الأعمال التي صدرها وفق وجهة نظر استطرادية تتكشف من خلالها هذه العلاقة الوثيقة لمفهوم فنية الاستطراد اللغوي الشعري والسردي وتنوع مواضيع الحجاج فيه والبرهنة والمعالجات النصية بين المادة الأدبية في التراث والمخيلة التي يسكبها الكاتب والأديب الخباز وبين ثقافته وأدبه واطلاعه، بكل عناية الخبير في صنع الكتابة بكونها مختلفة التحقق أولا، ومتصلة في دمج الخبرة والثقافة كذائقة تنسجم مع مادتها ثانيا، ليثبت من خلالها ما قد انزوى عن تلك الأزمنة الخوالي وما سقط منها من معالجة أدبية لأحداث مهمة تبدأ في القرن الأول ولم تنتهِ بسقوط بغداد إلا كما قالته النبوءة من عمود فقري في كل ما تريد قوله الرواية.
وعودا لمفهوم الاستطراد في كتاب المعتزلي الأخير وسقوط بغداد
التشابك الأدبي للأجناس والاستطراد
إن ما يميز هذا الاستطراد أنه لا يلتزم بخطيته السردية ولا فكرته الواحدة ولا زخرفتها المنحوتة والخاصة بل ينحرف عن مسار الحكاية ليفتح بينها أقواسا شعرية ونقدية وحوارية ممتزجة يستدعي فيها الأبيات الشعرية والمقطوعات السردية والمناظرات والأحداث والآراء المختلفة والأخبار التي تتسم باللغة العالية في آدابها وما تنتجه من إيمانات مختلفة متعددة القصدية التي تعبر عن رأي مضمر للكاتب أو رؤيته للأحداث على خلفية روائية تتسع لاختلاف الفنون بين الخطابة والمسرح والشعر والقصة الذي ابتلعته الرواية في فنها كذوق عام على عكس ما كان يدور حول تداخل الأجناس من جدل نقدي يسقط هذا التشابك.
الرؤية في الشرح الصغير
إن هذا الاستطراد الروائي ليس ترفاً اسلوبيا في حد ذاته بل هو ابتكار أسلوبي و معرفي يبرز فيها الكاتب مقدرته السردية والشعرية والأدبية وتمكنه الثقافي والفني والرؤيوي من الأحداث والانتقال بينهما بكل دربة لغوية محكمة وتعددية في الرواية بين الشرح والخطب وبين السقوط لبغداد والأحداث المصاحبة وبين السلطة المتمثلة بابن العلقمي في حبكة سردية متداخلة وهو أيضا أداة خاملة لنقد الشعراء ونقد الذائقة الأدبية للنصوص الشعرية ونقاد الشعر والسرد بأسلوب خفي كمطية اسلوبية لذلك المفهوم المغاير لطريقة التفكير النقدي المتبع.
الإستطراد عند السيد الخباز
فالاستطراد الشعري عند الخباز هو ضرب من التشظي ينسجم مع النصوص القصصية والشعرية بينما هو تاريخي ومحدث على لسان شاعره الكاتب وقد يكون لهذا الاستشهاد أو الحجاج النقدي معنى الدليل والصواب منه أو الاحتجاج عليه كما يمكنه أن يكون للسخرية والتهكم طالما أن الاستطراد يشكل جزءا من متن القصة فهو يسهم في إحكام الحبكة القصصية فها هو يسوق لنا الأخبار المفصلة حول فكرة الاعتزال والمعتزلة والمذهب الذي ذهبوا إليه في التفضيل عند فرقهم وأمرائهم الذين نشروا أفكارهم بكل دقة والأشعار التي تدور من قبلهم وغيرها من النكات والطرائف العابرة للأزمان، كأن تحضر اللزوميات كمحطة عابرة للشعر مثلا. وأما بالنسبة للتقنية البارزة في الرواية (وهي التنقل بين الأحداث دون ترتيب زمني) وهي تقنية المأثور والمخيلة في التقديم والتأخير لما يفيد الرواية من تشويق.
رأي النقد الثقافي في الاستطراد السردي
قد اختلف النقاد قديما حول هذه التقنية وقد ذهب فريق منهم أن الاستطراد يشكل أرقى النصوص الأدبية في توظيف الخيال في إنتاج الفكرة على شكل لوحات أدبية متنوعة تربط بين الأجناس الأدبية في مداورة تشكل المتعة الدائمة للنص الروائي والشاهد على ذلك هي قدرته الأسلوبية الفذة في التوليف السردي الشعري وتوليد الصورة الجديدة من المواد القديمة والأخبار التاريخية كراوي يعيد أتممة المشهد السردي عبر ما يضفيه من مخيلة.
ويذهب النقاد المعاصرون إلى أن هناك قصور في توليف ملكة المخيال مقابل الأسلوب المنطقي في سرد الأحداث وأن هذا الاسلوب ذوقي لا حظ له من الخيال إلا من خلال مفارقات الأحداث الواردة وإضفاء عليها الكم من التنسيق المتزن والأنساق الثقافية المساوقة أو السخرية الأسلوبية، ولكن هنا تكمن أهمية زمكانية العمل كما جاء في بعض الأعمال التاريخية الأدبية مثل مقامات الحريري والهمداني أو رسائل الجاحظ أو رسالة الغفران عند أبي العلاء، لكن ما يهمنا هنا أن يستقر الرأي على أن الخيال تقنية فنية قصصية استعان بها الكاتب لبناء عوالمه القصصية المحكمة مكانا وزمانا وشخوصا وأحداثا.
الخيال زمانا
فمثلا من الخيال زمانا في الكتاب والذي يتمثل في خرق الحدود الزمنية جمع الكتاب أحداثا وأحوالا لشخصيات كثيرة حول المعتزلة وفكرة الاعتزال وأحوالهم والشروحات لابن أبي الحديد لنهج البلاغة للإمام علي عليه السلام لفترات مختلفة من القرن الأول والقرن الخامس والسادس للهجرة، وترتيب خطبه على نحو سيري ترتيبا زمنيا متوافقا لحدوثها، وقد دمج شخصيات متباعدة في حواراته السردية في نصيتها السردية في زمان ومكان واحد، كما تطرق لأحوال مدينة بغداد وما جاورها في وصف لتضاريسها وبنيانها الخالد، كما جاء عن إيوان كسرى في المدائن والمستنصرية في بغداد وغيرها لتكون بابا آخرا من مباحث اللغة والبلاغة والتاريخ حول أعلام كل مدينة وأخبارها في استقصاء جميل وعالي الدقة من الجهةالخبرية والسردية.
رواية الشعر
وما لفت نظري رواية الشعر للجني البحراني والذي أجد فيه إشارة للشيخ ميثم البحراني كأحد أشهر الشراح نهج البلاغة إلا أن البحراني هنا جني جاء برشاقة من وادي عبقر والذي كان رشيقا ممتعا في شعره، وكانت مقطوعة أميمة الشريف الرضي هي الأجمل في روايته القصيرة والتي لم تمتد أكثر من إحالة أو تعريض لبيت الشريف الرضي في قوله:
“وهل ينفعنّي اليوم دعوى براءة … لقلبي، ولحظي، يا أميم، مريب”
وكذلك يتجلى الخرق الخيالي في الجمع بين الإنس والجان من قبيل المحاكاة الشعرية في عدة نصوص، وكذلك بين الإنس والملائكة في أحيان أخرى، أما الخيال في المكان فهو يتجلى في مكان فريد وعجيب اذ اجتمعت فيه المتناقضات اجتماعا خياليا خارقا كما في شرح ابن ابي الحديد الصغير، هكذا يسميه الخباز لأنه يعتبر شرح ابن أبي الحديد لنهج البلاغة هو الشرح الكبير والرواية كما يقدمها الخباز تأتي كشرح صغير لنهج البلاغة تتداخل فيه المعطيات والأخبار، ولكن يرجعنا الخيال في هذا الكتاب لمصدرية القرآن الكريم ومرجعيته القصصية في لغته فيما أطنب من خطب تصف الجنة للأخيار وما فيها من متع مادية ومعنوية اذ فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر علي قلب بشر، أما الصور الأخرى التي هي على النقيض او التقابل أيضا فهي مستوحاة من النص القرآني في الثواب والعقاب، وهنا يأتي دخول الشخصيات كاستدعاءات رسمها الكاتب لنا بمخياله القصصي والاستعاري ودمج الأسماء التي اتصلت بالإمام علي عليه السلام اتصالا وجدانيا.
ترتيب الخطب سيرة أخرى للأحداث
يعد ترتيب خطب نهج البلاغة عمل نوعي قام به الكاتب كعمل يقدم في مادته القديمة المأثورة وبسرديته الزمنية الجديدة والمعتنى بها طريقة للتفكر فيها بمنهجية تحيل للمنطق التاريخي للحدث وترتيبه ترتيبا موضوعيا زمنيا يعول عليه في المقاربة الحقة.
عالم الخرافة والأساطير
وأيضا نجد أن عالم الخرافة والأساطير يتجلى بثبات ويعد مصدرا أساسيا اعتمد عليه الكتاب فعالم المعتزلة عالم لا يثق في الغرائبي والخارق كما في رسالة الغفران عند أبي العلاء فهناك عالم تتكلم فيه الحيوانات وتتحول فيه الطيور لبشر وتخرج فيه الحور العين من الثمار لكنه هنا في المعتزلي يصر على عدم الصلة في التحولات إلا في رواية الشعر، ولم يغفل الكاتب عن الواقع بكونه مصدرا اساسيا من مصادر الخيال الخصب اذ استوحى الكتاب فقرات من واقعه المعاش في السياسة والأدب والدين والشئون العقدية والأخلاقية ما شكل به مادة قصصية وسردية خيالية أثثت فيها لتفاصيل العلاقات الكثيرة بينها، بينما هو قصصي وشعري وأخبار وطرائف ونوادر، وبينما هو حقيقي حاضر انعكاسا للواقع المعاش من طبقية اجتماعية تتفاعل بينها في أحداث أنشأها الكاتب بعناية فائق كاستحضار جملة من شعراء العصر العباسي ليتقاسم الكاتب الشاعر بينهما صنع الحدث السردي والشعري في آن واحد كما فعله في استحضار قصة الرقاع وأميمة التي تأخذ نصيبها من الاستطراد الروائي الكثيف في شعر الشريف الرضي والرد على رسائله.
تقنيات استطرادية
استطراد التخلص
وللخيال تقنيات استطرادية متعددة للتخلص الرشيق وهو علم من علم البيان يسمى بالإلتفاف أو أن تخرج من تمهيد ما كنت تروم ذكره فتذكر سواه القرين كأنك غير قاصد ولعل أهمها في هذه الرواية هي تقنية القلب والتحويل والعودة لذات الحدث بعد أحداث متعددة وقد يفقد شخص سماته الاعتبارية وتتحول لنقيضها داخل النصوص بما يتسم مع نظرة الكاتب له من جمال وقبح أو خير وشر أو قداسة كأن تتعرض له بالمديح أو تهجوه في غير مكان بيتا بعد بيت بشكل خاطف كما جاء في ذكر أبي اسحاق الصابي وكتابته لأبيات الكاتب عضد الدولة عبد العزيز بن يوسف.
استطراد الوقائع والجمع بينها
ومن تقنيات الخيال والاستطراد فيه أيضا الجمع بين الوقائع والعجائبي مثلا وهذا يسمى بالتركيب الخيالي فخيال الكتاب هنا ذهني فلسفي وليس حسياً تصويريا فهو لم يرسم الأحداث كما يراها الديني او كما يراها الموروث الشعبي بل تعداها للنفخ فيها من مخيلته الأدبية المتشربة بأخبارها كما في محطات بناء المستنصرية وتاريخ جنكيزخان وفي بدء الكلام بفتنة التتر والاختلاف في خلق العالم والاختلاف في عمر الدنيا وخلق البشر وذهاب الحصون والسقوط وصولا لسقوط بغداد، ولم تنحصر مخيلته في حدود ضيقة تقتصر على الاقتباس المحنط من التراث الانساني فالكتاب جمع ونقد وابدع في الشعر وأضفى وسخر وأضاف من روح الكاتب ما ساعده على اضفاء صور ظريفة في لبوسها جريئة في طرحها عميقة في مغزاها، وهو ما ينبأ بتفرد التجربة الابداعية على طريقة أبي العلاء مرة أخرى في جمع الأجناس الأدبية في استطراد جلي يعتني بكل جنس أدبي بشذرة شامخة لاستعارات شتى وفنون شتى فمن المسرحية صدامها وحوارها ومن القصيدة التغنى وايقاعه ومن القصة الراوي وحيله ومن الخرافة العجيب وألوانه بكل اقتدار الدارس والمطلع على التراث العريض من موروثنا الأدبي الغني بالمخيال والأدب وفنونه العريضة والمتنوعة والخلاقة.




