رحلة في أعماق التراث اللامادي المصري ..الروح التي لا تغيب..


رحلة في أعماق التراث اللامادي المصري ..الروح التي لا تغيب..
د. منى محمد فتحي
بينما تقف الأهرامات والمعابد شاهدة بصمتها المهيب على عظمة البنيان ، ينسل من خلف تلك الأحجار (تراث حي) لا يقل شموخاً ، لكنه لا يُرى بالعين المجردة بل يُعاش بالوجدان . إن التراث اللامادي المصري ليس مجرد حكايات غابرة أو فنون شعبية ، بل هو (الروح) التي بُثت في جسد التاريخ ، والشفيرة الوراثية التي جعلت من المصري المعاصر امتداداً حياً لأجداده الذين شيدوا الحضارة على ضفاف النيل منذ آلاف السنين.
من ترانيم المعابد إلى بحور الموال …
تبدأ ملامح هذا التراث من (الكلمة المنطوقة) ، حيث يبرز فن السيرة الهلالية كإلياذة عربية خالصة ، لا تُحكى فقط بل تُعزف على أوتار (الربابة) ، لتجسد قيم الفروسية والشهامة التي استقرت في الوعي الجمعي . هذه السيرة، ومعها فنون الأراجوز وخيال الظل ، لم تكن مجرد أدوات للتسلية ، بل كانت مسرحاً شعبياً يعكس نبض الشارع وينتقد الواقع بذكاء وفطرة .
وينضم إلى هذا العقد (المثل الشعبي) ، تلك الحكمة المكثفة التي تجري على ألسنة المصريين كجريان النيل ، لتلخص فلسفة شعوب بأكملها في جملة قصيرة ، تماماً كما يفعل (الموال) الذي يختزل في طياته قدرة المصري على مواجهة الصعاب بالصبر والرضا ، محولاً الألم إلى نغم شجي .
الجسد والحركة ورقصة القيم والهوية…
ولا ينفصل هذا الإبداع الشفهي عن الحركة والجسد ، ففي صعيد مصر ، تبرز لغة العصي في فن التحطيب ، وهو طقس قتالي يعود في أصوله إلى النقوش الفرعونية على جدران معابد بني حسن. هذا الفن ليس مجرد استعراض للقوة ، بل هو رقصة أخلاقية تحكمها قوانين الاحترام والترفع ، تظهر كيف استطاع المصري تحويل مهارات الدفاع عن النفس إلى قيمة جمالية واجتماعية تتوارثها الأجيال .
وفي مقابل قوة التحطيب ، نجد رقة (التنورة) التي تدور في حلقة صوفية تربط الأرض بالسماء ، و(الرقصات الشعبية الساحلية) التي تحكي قصص البحر والصيادين على أنغام السمسمية ، مما يخلق توازناً مدهشاً بين ثبات الأرض وحركة الموج .
المائدة والاحتفال و طقوس البقاء…
هذا التناغم يمتد ليصب في بوتقة الاحتفالات الكبرى ، حيث تلتحم المعتقدات الدينية بالممارسات الشعبية في أعياد مثل (شم النسيم) ، الذي ظل محتفظاً بطقوسه الغذائية والرمزية منذ فجر التاريخ ، وفي (الموالد) التي ترسم لوحة فريدة يمتزج فيها البخور بالترانيم والمدائح.
ولا يكتمل الحديث عن التراث اللامادي دون المرور بـ (المطبخ المصري) ، فهو ليس مجرد طعام ، بل هو ممارسة تراثية بامتياز ، فخبز (العيش) ، (الذي سماه المصريون باسم الحياة) وطبق (الفول) المدمس ، هي وصفات عابرة للزمن ، تبرهن على أن الأنثروبولوجيا المصرية تمر عبر المائدة بقدر ما تمر عبر المخطوطات.
الحرف التقليدية أنامل تغزل الخلود….
وعلى الصعيد المادي الذي تغذيه المهارة الفطرية ، تأتي الحرف التقليدية لتتوج هذا الميراث ، فالأنامل التي تغزل السجاد اليدوي في ساقية أبو شعرة ، أو تلك التي تعيد إحياء ورق البردي وتطوع النحاس والصدف في حواري القاهرة التاريخية ، لا تصنع منتجات تجارية ، بل هي تحفظ (أسرار الصنعة) التي انتقلت من المعلم إلى الصبي عبر القرون . إن كل غرزة في نسيج (الخيامية) ، أو نقش على قطعة نحاس ، هي استمرار لمعرفة كونية تربط الإنسان المصري ببيئته.
حصن الهوية الأخير…
إن الحفاظ على هذا الإرث اليوم يواجه تحديات عاتية أمام زحف العولمة والرقمية ، مما يجعل من توثيقه ضرورة وجودية لا ترفاً ثقافياً . إن التراث اللامادي المصري هو الحصن الأخير للهوية ، هو تلك الخيوط الخفية التي تربط الفلاح في حقله ، والصانع في ورشته، والراوي في ساحته ، بذاكرة أمة تأبى النسيان.
إن صون هذا التراث هو في جوهره احتفاء بعبقرية الإنسان المصري ، وتأكيد على أن حضارة النيل ليست ماضياً يُزار في المتاحف ، بل هي حياة تُعاش وتتنفس في كل تفصيلة من تفاصيل يومنا.




