آخر الأخبار
ألمقالات

التراث العراقي اللامادي.. الروح التي لا تغيب

علاء صابر الموسوي

لا يقاس غنى الأمم بما تملكه من جبال أو ذهب فحسب ، بل بما تحمله في ذاكرة أبنائها من فنون وعادات وتقاليد تشكل هويتهم الفريدة . وفي العراق، (أرض البدايات) ، يتجاوز التراث حدود الحجر والشرائع المكتوبة ليصبح تراثاً لا مادياً حياً يتنفس في الأزقة والبيوت..
يأتي المقام العراقي في مقدمة هذا الإرث ، فهو ليس مجرد غناء ، بل هو (طقس) روحي يمتد لقرون . بتركيبته المعقدة التي تدمج الشعر الفصيح بالعاطفة الصادقة ، يمثل المقام سجلًا حافلاً لتقلبات الروح العراقية بين الفرح والشجن.
عندما نمشي في (سوق الصفافير) ، نحن لا نسمع ضجيجاً ، بل نسمع إيقاعاً لتاريخ يمتد لآلاف السنين. الحرف اليدوية مثل النحاسيات ، وحياكة السجاد، وصناعة القوارب التقليدية (المشحوف) في الأهوار ، هي مهارات تُنقل من الأباء إلى الأبناء، محملةً بأسرار (الصنعة) التي تأبى الاندثار.
لا يمكن الحديث عن التراث اللامادي دون ذكر السمك المسقوف أو الدولمة والكليجة . هذه الأطباق ليست مجرد طعام ، بل هي ممارسات اجتماعية تعبر عن كرم الضيافة وطرق الاحتفال بالأعياد والمناسبات ، وهي جزء أصيل من الذاكرة الجمعية لكل عراقي .
كما نجد منظومة حياة متكاملة ..
الأهوار في جنوب العراق معقلاً للتراث اللامادي العالمي (المدرج ضمن قائمة اليونسكو). هناك ، تجد فنون العمارة بالقصب ، والأهازيج الشعبية (الهوسات) ، والقصص التي تروى في (المضايف) ، مما يشكل نسيجاً ثقافياً فريداً يربط السومريين القدامى بالعراقي المعاصر.
لا يكتمل مشهد الروح العراقية دون تأمل (الأزياء الشعبية) ، التي تُعد بمثابة بطاقة تعريف بصرية لكل منطقة . ففي الشمال ، نجد الزي الكردي بألوانه الزاهية وتصاميمه الجبلية التي تعكس شموخ الطبيعة ، بينما يبرز (الهاشمي) في الوسط والجنوب كأيقونة للأناقة النسائية العراقية ، ذلك الثوب الرهيف بنقوشه الذهبية الذي يجمع بين الحشمة والترف الجمالي. أما (العقال) و(اليشماغ) ، فليسا مجرد غطاء للرأس ، بل هما رمز للوقار والسيادة والقيم العشائرية الأصيلة. هذه الملابس ليست قماشاً يُرتدى ، بل هي لغة صامتة تحكي انتماء العراقي لأرضه وبيئته.
تتجلى عبقرية التراث اللامادي في (الطقوس الاجتماعية) التي تجمع أطياف الشعب العراقي . فمن صينية يوم زكريا في بغداد ، المزدانة بالشموع والآس وأواني الفخار ، إلى احتفالات (نوروز) في الجبال ، ووصولاً إلى طقوس (القرقيعان) في ليالي رمضان ، نجد العراقيين يشيدون جسوراً من المحبة العابرة للأديان والمذاهب . هذه المناسبات هي (مختبرات اجتماعية) تُعاد فيها صياغة مفهوم الأسرة الواحدة ، حيث يختلط الدعاء بالنشيد ، وتتحول العادات البسيطة إلى ملاحم من التكافل الإنساني.
وإذا ما انتقلنا إلى خيال الظل و(القره قوز) أو حكايات الحوات (الحكواتي) في المقاهي القديمة ، نكتشف كيف صاغ العراقيون وعيهم السياسي والاجتماعي عبر السخرية والنقد المبطن . إنها (المدرسة الشفاهية) التي علمت الأجيال الحكمة والمروءة من خلال قصص (عنتر وعبلة) أو بطولات الفروسية ، مما جعل من المقهى العراقي برلماناً ثقافياً مصغراً لا يغيب عنه النغم ولا تغادره الحكاية.
ان التراث اللامادي العراقي هو (الخيط الخفي) الذي يربط ماضينا بحاضرنا . الحفاظ عليه ليس ترفاً ، بل هو ضرورة لحماية هويتنا من الذوبان في زمن العولمة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى