عنوان الدراسة: جدلية “التعددية المطلقة” وتآكل الكيان السياسي: مقاربة نقدية في “سيكولوجيا التشظي” عند المفكر فرقد الأغا


عنوان الدراسة: جدلية “التعددية المطلقة” وتآكل الكيان السياسي: مقاربة نقدية في “سيكولوجيا التشظي” عند المفكر فرقد الأغا
إعداد : الباحث الأكاديمي عمر الاعرجي
تمهيد إشكالي:
في سياق الفلسفة السياسية المعاصرة، يُنظر إلى التعددية كأداة لتحقيق التوازن بين القوى الاجتماعية، غير أن القراءة النقدية التي يطرحها المفكر فرقد الأغا تذهب إلى ما هو أبعد من التوصيف الإجرائي؛ فهي تشرح كيف تتحول “التعددية المطلقة” من ضمانة ديمقراطية إلى مأزق وجودي يهدد وحدة الكيان الوطني. ينطلق الأغا من فرضية أن الانفلات الحزبي في التجربة العراقية لم يعد تنوعاً بقدر ما أصبح “تشظياً بنيوياً” يستنزف مقدرات الدولة ويعيد تعريف الديمقراطية كآلية لإنتاج الأزمات بدلاً من حلها.
المحور الأول: أنطولوجيا الوسيلة والغاية وانحراف العقد الاجتماعي
يقوم التحليل الفلسفي عند الأغا على كشف التناقض بين “الغاية الأخلاقية” للسياسة وبين “الوسيلة الإجرائية”. حين تتحول الانتخابات من وسيلة لترسيخ السيادة الشعبية إلى غاية ذاتية للأحزاب، يحدث انكسار في العقد الاجتماعي بمفهومه “الروسوي” (نسبة لروسو).
التشريح الفلسفي: يرى الأغا أن “التعددية المطلقة” قد أنتجت سيولة سياسية أدت إلى “تذرير” المصلحة العامة، حيث لم يعد الولاء للمجموع الوطني، بل للكيان الحزبي الميكروسكوبي، مما أدى إلى غياب “الإرادة العامة” التي هي جوهر استمرار الدولة.
المحور الثاني: “التعددية المقيدة” كضرورة للعقل العملي
يطرح الأغا مفهوم “التعددية البسيطة” ليس كخيار قمعي، بل كضرورة عقلانية تقتضيها فلسفة “تنظيم القوة”. إن استدعاء نماذج الدول المتقدمة في حصر التنافس بين تيارين أو ثلاثة هو استدعاء لمنطق “الفاعلية السياسية”.
الرؤية العقلانية: إن “الانفتاح المطلق” في تأسيس الأحزاب هو، في جوهره، عملية “تفكيك منظّم” للنسيج الوطني. فالفكر السياسي للأغا يرى أن الحرية التي لا تفضي إلى نظام هي فوضى، وأن تقنين التعددية هو “فعل تحرير” للقرار السياسي من الارتهان للتشظي، ومنع لتحول الكيانات إلى أدوات لتمزيق الوحدة الهوياتية للبلاد.
المحور الثالث: سوسيولوجيا العجز المؤسساتي وفشل التوافق البرلماني
يشرّح الأغا الأثر الميداني لهذا التشظي على بنية السلطة، حيث تتحول الديمقراطية التوافقية إلى “عطالة سياسية”:
استحالة التوليف : في ظل تعددية مفرطة، يستعصي على النظام السياسي إيجاد محصلة نهائية للمطالب المتضاربة، مما يؤدي إلى بعثرة الجهد الوطني في ترضيات حزبية ضيقة.
أزمة الشرعية والأغلبية: غياب “الأغلبية المتجانسة” يجعل الحكومات في حالة قلق وجودي دائم، مما يحول الفعل الحكومي من “الإنجاز” إلى “البقاء”، وهو ما يفتح الباب على مصراعيه لاستشراء الفساد الإداري والمالي كأداة لإدامة الولاءات.
من التعددية إلى التفتيت: يخلص الأغا إلى أن التعددية في العراق قد فارقت معناها الاصطلاحي لتصبح حالة من “التفتيت السلطوي” الذي يفرغ الدولة من هيبتها السيادية.
المحور الرابع: قيامة الذات السياسية كشرط للنهوض (الأخلاق أولاً)
يربط المفكر فرقد الأغا نجاح أي نظام سياسي بالبنية القيمية للفاعل الاجتماعي. وفق فلسفته في “قيامة الذات” لا يمكن للإصلاح الهيكلي (القوانين) أن يؤتي ثماره دون إصلاح “الذات السياسية”.
المقاربة الأخلاقية: إن شرط “حب الوطن” والعمل للصالح العام ليس شعاراً عاطفياً عند الأغا، بل هو “شرط إمكان” لقيام دولة حقيقية. التعددية بدون وازع أخلاقي هي “إقطاعيات سياسية” مقنعة؛ لذا فإن البعث الحقيقي للدولة يبدأ من ارتقاء الذات السياسية فوق نرجسيتها الحزبية ومصالحها الضيقة لتعتنق الهم الوطني كقيمة عليا.
الخاتمة: نحو ديمقراطية عقلانية منضبطة
تتموضع رؤية المفكر فرقد الأغا كإطار تنويري يدعو إلى ثورة في الفهم والممارسة السياسية، تتلخص في:
الانتقال البنيوي: من الديمقراطية الكمية (كثرة الأحزاب) إلى الديمقراطية النوعية (فاعلية القرار).
الحماية القانونية: تشريع قوانين صارمة لدمج الكيانات السياسية لتقليل التشتت وضمان سيادة القرار الوطني.
الاستحقاق القيمي: ترسيخ معيار الكفاءة والنزاهة فوق الانتماء الحزبي.
الخلاصة :
إن دراسة الأغا للتعددية العراقية هي تحذير فلسفي عميق من أن الاستمرار في “نهج التشظي” تحت ذريعة الديمقراطية سيفضي حتماً إلى “تآكل الدولة” وضياع الهوية. إنها دعوة لاستعادة “المركزية الوطنية” من شتات التعددية المطلقة، وتحقيق قيامة سياسية ترتكز على وحدة الهدف ونبل الغاية.





