ترامب وعصر الفتونة الدولية


د. محمد عبد جري
شكّل صعود دونالد ترامب إلى الرئاسة الأميركية علامة فارقة في تحوّل الخطابوالممارسة في العلاقات الدولية، إذ بدا وكأنه يدشّن مرحلة يمكن توصيفها (عصر الفتونة الدولية) وهو عصر بدأت فيه القواعد القانونية والأعراف الدبلوماسية تتراجعلصالح منطق القوة، والصفقاتالسياسية المشبوهة، والتهديد المباشر. ولم يأتِ هذاالتحول من فراغ، بل عكس عمق الازمة في النظام العالمي الذيتأسس بعد الحربالعالمية الثانية على أساس القانون الدولي، وأخذ يتآكل تحت ضغط الشعبوية، وصعودالقوميات، وتراجع الثقة بالمؤسسات الدولية.
وهذا الامر شجع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في اعتماد أسلوبًا يقوم على الشخصنة والابتزاز السياسي في سياسته الخارجية فتعامل مع العلاقات بين الدول بمنطق رجلالأعمال لا رجل الدولة، حيث تُقاس التحالفات بميزان الربح والخسارة الآنية وفقاًلصفقاته التجارية التي يفرضها بالقوة، لا بالمصالح الاستراتيجية بعيدة المدى. وقدتجلّى ذلك في شعاره الشهير «أميركا أولًا»، الذي لم يكن مجرد تعبير عن أولويةالمصلحة الوطنية، بل إعلانًا صريحًا عن الانسحاب من الالتزامات الدولية، وتقويضمفهوم المسؤولية الجماعية الذي تقوم عليه المنظمات الدولية.
في هذا السياق، بدت الفتونة الدولية سلوكًا منهجيًا لا حالة عابرة؛ فقد استخدم ترامبالعقوبات الاقتصادية كسلاح سياسي وهدد الحلفاء قبل الخصوم، وقلّل من شأنالقانون الدولي، سواء في اتفاقيات المناخ أو الاتفاق النووي الإيراني أو منظمة التجارةالعالمية. هذا النهج لم يكتفِ بإضعاف الثقة بالدور الأميركي القيادي، بل شجّع قوىدولية أخرى على انتهاج السلوك ذاته، ما أدى إلى زيادة منسوب الفوضى وعدمالاستقرار في النظام الدولي.
كما ساهم خطاب ترامب الشعبوي في شرعنة مبدأ القوة في العلاقات الدولية، إذ لميعد الخطاب الأخلاقي حول حقوق الإنسان والديمقراطية أولوية، بل أداة انتقائيةتُستخدم حين تخدم المصالح الأميركية وتُهمل حين تتعارض معها. وبهذا المعنى، لميكن ترامب مجرد رئيس مثير للجدل، بل تعبيرًا عن لحظة تاريخية انتقلت فيها السياسةالدولية من منطق القواعد إلى منطق الغلبة الذي أكده من خلال قيامة بضرب المفاعلالنووية في ايران بتصرف فردي من تفويض دولي للقيام بذلك واختطاف الرئيسالفنزويلي(نيكولاس مادورو) بعد قصفه مدينة كاراكاس
ويبدو أن إدارة ترامب تسعى الى التأسيس الىعصرالفتونة الدولية الذي ترك أثرًا عميقًافي بنية النظام العالمي، وفتح الباب أمام إعادة تعريف مفاهيم السيادة، والتحالف،والشرعية الدولية. وتكمن خطورة هذا العصر في أنه يجعل العلاقات الدولية أكثرهشاشة، ويحوّل القانون الدولي من إطار ناظم إلى خيار انتقائي، الأمر الذي يهددالسلم والأمن الدوليين.
ختامًا، يمكن القول إن ترامب لم يصنع عصر الفتونة الدولية وحده، لكنه كان أبرز ملامحه وأكثرها صراحة. فقد كشف، دون مواربة، عن تحوّل عميق في ميزان القيمالحاكمة للنظام الدولي، حيث باتت القوة تسبق القانون، والمصلحة الآنية تطغى علىالالتزام طويل الأمد، في مشهد يعكس أزمة عالمية لا تزال فصولها مفتوحة.





