ليس بالنفط وحده يحيا الإنسان


ليس بالنفط وحده يحيا الإنسان
كتب رياض الفرطوسي
يبدو النفط في مخيلة كثير من الدول كأنه العصا السحرية التي ما إن تُغرس في الأرض حتى تتفجر معها النهضة، وتنهض المدن، وتُحلّ الأزمات، ويصبح المستقبل مضموناً بالتقسيط المريح. غير أن الواقع، ذلك الكائن الوقح الذي لا يحترم الأوهام، يثبت مرة بعد مرة أن النفط لا يهب الحياة، بل قد يسلبها إن أسيء استخدامه. فالثروة، حين تُدار بعقلٍ كسول، تتحول من نعمة إلى امتحان، ومن فرصة إلى لعنة مموهة ببريق أسود.
في العالم العربي، لا يمكن اتهام الجغرافيا بالبخل. الأرض سخية إلى حد الإسراف: نفط، غاز، معادن، مياه، أراضٍ خصبة، شمس لا تغيب، وبحار مفتوحة على التجارة. ومع ذلك، تتعثر التنمية، وتتكرر الأزمات، ويبدو المستقبل في كثير من البلدان وكأنه وعد مؤجل إلى أجل غير مسمى. المفارقة ليست في قلة الإمكانات، بل في وفرتها دون عقلٍ يحسن ترتيبها، ودون دولة تعرف ماذا تريد من نفسها.
ليبيا، على سبيل المثال، كانت مرشحة لأن تكون إحدى أكثر دول إفريقيا رفاهاً. احتياطي نفطي هائل، عدد سكان محدود، دخل فردي مرتفع قياساً بجوارها. لكن النفط لم يتحول إلى دولة، بل إلى غنيمة. ومع الغنائم تتكاثر السكاكين. لم تُبنَ بنية تحتية حقيقية، ولم يُصنع اقتصاد منتج، فكان الناتج دولة غنية في الحسابات، فقيرة في الواقع، قوية في الأرقام، منهكة في الحياة اليومية.
والجزائر، التي تجلس على واحد من أكبر احتياطيات الغاز عالمياً، لم تكن أقل حظاً من حيث الموارد، لكنها وقعت في فخ الاقتصاد الريعي الطويل. حين تعيش الدولة على بيع ما يخرج من الأرض أكثر مما تعيش على ما يصنعه أبناؤها، يصبح العمل ترفاً، والإبداع مخاطرة، والهجرة حلًا منطقياً. البطالة لا تكون دائماً نتيجة قلة المال، بل نتيجة غياب الفكرة.
أما مصر، فهي حالة خاصة في دروس التناقض. بلد يعبره نهر كُتب عنه أكثر مما كُتب عن ملوك، ويحتضن غازاً ومعادن وموقعاً جغرافياً لو نطق لطلب عمولة. ومع ذلك، تتراكم الأزمات: اقتصادية، مالية، مائية، تنموية. الاعتماد المتزايد على القروض يشبه من يستدين ليصلح سقف بيتٍ أساسه متصدع. المشكلة ليست في الموارد، بل في إدارتها، وفي دولة توسعت أكثر مما أنتجت، وأنفقت أكثر مما خططت.
تونس، التي امتلكت فوسفاتاً وزراعة وسياحة، تعطلت فيها عجلة الاستفادة، فتوقفت المصانع، واهتز القطاع السياحي، وضاعت الفرص بين اضطراب سياسي وبيروقراطية خانقة. ولبنان، الذي جمع الماء والزراعة والسياحة والغاز البحري، قرر أن يبدد كل ذلك في مسرح عبثي من الفساد والصراعات، حتى صار البلد الذي كان يُصدر الأمل يستورد الكهرباء. أما اليمن، فقصته أكثر قسوة: ثروات نفطية وزراعية وبحرية، لكنها تُسحق تحت أقدام الحرب وسوء الإدارة، فتتحول الإمكانات إلى أطلال.
ولو خرجنا من الإطار العربي قليلًا، لوجدنا فنزويلا واقفة كلوحة تحذير مكتوبة بخط عريض. بلد يملك أكبر احتياطي نفطي في العالم، لكنه يعاني من الفقر والتضخم والانهيار. النفط هناك لم يُنقذ الدولة، بل كشف هشاشتها. حين تتحول الأيديولوجيا إلى قيد على الاقتصاد، وحين تُدار الثروة بعقلية الصراع لا بعقلية التنمية، يصبح البرميل عبئاً أثقل من الفراغ. فنزويلا لم تسقط لأنها بلا موارد، بل لأنها بلا توازن، وبلا مؤسسات تحمي الثروة من السياسة، وتحمي المواطن من الدولة نفسها.
وعلى الضفة الأخرى من القصة، تقف دول لا نفط لديها، لكنها تمتلك ما هو أثمن. المغرب، مثلًا، لم ينتظر اكتشاف حقلٍ نفطي ليبدأ. استثمر في الفوسفات بذكاء، وفي الزراعة، وفي الصناعة، وفي الطاقات المتجددة، وبنى نموذجاً اقتصادياً هادئاً لا يعتمد على ضربة حظ، بل على تراكم العمل. لم يصبح جنة، لكنه أثبت أن التنمية قرار، لا صدفة جيولوجية.
كوريا الجنوبية خرجت من حرب مدمرة، بلا موارد تُذكر، لكنها راهنت على التعليم والانضباط والتكنولوجيا. اليابان جزيرة فقيرة في المعادن، غنية في التنظيم. سنغافورة قطعة أرض صغيرة بلا عمق طبيعي، لكنها صنعت عمقاً اقتصادياً عالمياً. هذه الدول لم تسأل: ماذا نملك؟ بل سألت: من نكون؟ وماذا نستطيع أن نصبح؟
حتى في العالم العربي، بدأت بعض دول الخليج تدرك مبكراً أن النفط عمره محدود. فقررت ألا تنتظر اليوم الذي ينضب فيه، بل أن تستعد له. استخدمت النفط كرافعة، لا كوسادة. بنت بنية تحتية، واستثمرت في الإنسان، وفتحت أبواباً للتكنولوجيا والسياحة والاقتصاد المعرفي. لا تخلو التجربة من تحديات، لكنها تُظهر الفرق بين من يجعل النفط غاية، ومن يجعله وسيلة.
وفي إيران، تبرز تجربة مختلفة تحمل كثيراً من التعقيد. دولة تمتلك ثروات نفطية وغازية معتبرة، إلى جانب رصيد بشري وعلمي لا يُستهان به، وقد حققت في مجالات عدة إنجازات لافتة رغم الضغوط. غير أن تشابك السياسة بالاقتصاد، وتأثير السياقات الدولية المتوترة، جعلا الاستفادة القصوى من هذه الإمكانات تمر عبر مسارات شاقة ومليئة بالتحديات. هنا أيضاً، لا تبدو المشكلة في ما تختزنه الأرض، بل في طبيعة البيئة التي تتحرك فيها القرارات، وفي الاتجاه الذي تُضبط عليه بوصلة الأولويات الوطنية.
الخلاصة التي يكررها التاريخ بملل: الثروات لا تصنع نهضة، بل تفضح غيابها. النفط لا يبني دولة، إن لم يكن هناك عقل يخطط، ومؤسسات تحاسب، وإرادة ترى الإنسان لا البرميل. الثروة الحقيقية ليست ما نبيعه للعالم، بل ما نبنيه داخل المجتمع.
قيل قديماً إن الثروة كالسيف في يد الجاهل يجرح بها نفسه. واليوم يمكن القول إن النفط، دون رؤية، يتحول من نعمة إلى عبء، ومن فرصة إلى تأجيل دائم للحظة الحقيقة. فليس بالنفط وحده يحيا الإنسان، بل بالعقل الذي يديره، وبالعدالة التي توزعه، وبالحلم الذي يتجاوز حدوده.





