العالم للبيع


العالم للبيع
كتب رياض الفرطوسي
لم يعد العالم ساحة صراع بين أفكار كبرى أو مشاريع حضارية متنافسة. صار أقرب إلى معرض مفتوح، تُعلّق على جدرانه الخرائط بدل اللوحات، وتُثبت تحتها بطاقات الأسعار. هنا، لا يُسأل عن التاريخ، ولا يُستدعى الضمير، بل يُفتح الدفتر: ماذا نملك؟ كم يساوي؟ ومن يدفع أكثر؟
بهذا المعنى، تغيّر مفهوم الأمن جذرياً. لم يعد حماية للحدود ولا صوناً للاستقرار، بل تحوّل إلى أمن اقتصادي خالص، عارٍ من الزخرفة الأخلاقية. أمن لا يعرف سقفاً، ولا يتوقف عند قيم أو مبادئ، لأنه ببساطة لا يعترف بها. إنه أمن السوق حين يرتدي بدلة السياسة.
في هذا المشهد، لا يبدو دونالد ترامب ظاهرة شاذة، بل التعبير الأكثر فجاجة عن روح العصر. هو لا يجمّل اللغة ولا يختبئ خلف عبارات مطاطة. يتحدث كما يفكر: العالم مجموعة فرص استثمارية ضائعة، وعلى الولايات المتحدة أن تستحوذ عليها قبل أن يسبقها الآخرون. السياسة عنده ليست فن الممكن، بل فن الاستحواذ.
غزة، في هذا المنطق، ليست مأساة إنسانية ولا جرحاً مفتوحاً في الوعي العالمي. إنها قطعة أرض على البحر، موقعها مغرٍ، وشمسها سخية، ويمكن ـ إذا أُزيل “الضجيج” ـ أن تتحول إلى مشروع سياحي مربح. الدم هنا تفصيل مزعج، يمكن تجاوزه بخطاب إعلامي مناسب أو صمت دولي مدروس.
أما أوكرانيا، فلا تُقرأ كدولة تقف على خط الزلازل الجيوسياسية في أوروبا، بل كمخزن واسع للمعادن النادرة، تلك التي تُشغّل مصانع التكنولوجيا وتغذي سباق التفوق الصناعي. الحرب ليست دفاعاً عن سيادة، بل صراعاً غير معلن على من يضع يده على ما تحت الأرض.
غرينلاند، الجزيرة التي بالكاد يعرفها كثيرون، ليست في الحسابات الجديدة مجرد امتداد جغرافي تابع لدولة أوروبية. إنها موقع استراتيجي يتحكم بالممرات القطبية، وأرض تختزن ثروات طبيعية تراقبها الصين عن قرب. البرودة لا تقلل من قيمتها، بل تزيدها، فالعين هنا ترى المستقبل لا الطقس.
وفنزويلا؟ ليست دولة منهكة تبحث عن مخرج من أزماتها، بل خزان نفطي ثقيل، بالغ الأهمية للصناعات الأمريكية. النفط هناك لا يُنظر إليه كملكية شعب، بل كمورد يجب “تحريره”، أي إخراجه من يد الدولة وتسليمه لشركات تعرف كيف تحوّل الخام إلى نفوذ.
ورغم تباعد الجغرافيا واختلاف السياقات، فإن القاسم المشترك بين هذه الملفات واحد، واضح، لا يحتاج إلى كثير من التأويل: ثروة قابلة للاستخراج، موقع دائم يمكن تثبيته، وخصم يجب إبعاده عن الطاولة. روسيا والصين حاضرتان هنا دائماً، لا كأعداء أيديولوجيين، بل كمنافسين في سوق السيطرة العالمية.
العالم اليوم لا يُدار من غرف الدبلوماسية، بل من غرف الاجتماعات في الشركات الكبرى. الخرائط لم تعد تُرسم وفق ميزان القوى العسكرية فقط، بل وفق سلاسل الإمداد، والموانئ، والمناجم، وخطوط الطاقة. السيادة صارت كلمة جميلة تُستعمل عند الحاجة، ثم تُطوى عندما تبدأ المفاوضات الحقيقية.
العالم للبيع ليس استعارة ولا مبالغة لغوية، بل وصف مباشر لزمن تُدار فيه السياسة بعقلية السوق، ويُعاد تعريف الإنسان والأرض والدولة وفق معايير الربح والخسارة.





