آخر الأخبار
ألثقافة والفن

الأساطير .. حفريات في الفكر الإنساني

بقلم / نصير الشيخ

تمثل الأسطورة نقطة الانعطاف باتجاه إيجاد صورة متجاوزة وخلاقة لفهم الوجود الإنساني وتدعياته وتوهجاتهِ التي لا تتوقف ولا تخمد بــ هكذا منطوق ندخل عوالم كتاب (الأساطيرــ النماذج البدائية للفكر الإنساني) لمؤلفه “د. سمير الشيخ” ، والصادر حديثا عن دار أبجد للترجمة والنشر والتوزيع وبطبعة أولى وبواقع 170 صفحة قطع متوسط .

الكتاب اشتمل على سبعة عشر فصلاً ، تناولت الأسطورة وحضورها في الفكر الإنساني وثقافات الشعوب ، تضمن الكتاب مقدمة ضافية بقلم الناقد “د. سمير الخليل” ، سلط الضوء فيها على الجهد المعرفي للمؤلف الشيخ ، واصفاً إياه ( سعي أركولوجي وتقديم بانورامية للنسق والمرجعيات الأسطورية عبر رؤية تفكيكية مؤطرة بالاستدلا للتقديم كشوفاتٍ معرفية دالة تبرهن على ديمومة والتوجهات المؤسطرة في مختلف مراحل التاريخ) ص5.

تنوع الكتاب في قراءاته المتعددة للأسطورة ومقدار تنافذها مع الفكر الإنساني وصولا للعصر الحديث الذي انتج أساطيره العولمية أيضا , ويتعمق الكتاب في قراءة وتأويل الإنزياح الكوني والفلسفي والدلالي للمنطق أو النسق المؤسطر من خلال حفريات علاقاته مع الميادين وحقول الحياة الإنسانية وعلومها وطقوسها وكينونتها.

ويؤكد المؤلف وعبر حفرياته الثقافية في هذا الحقل وفي أكثر من كتاب له ، على أن الأساطير في حقيقتها المتجلية هي عبارة عن طقوس ونسق إشهاري , كل هذا يرسخ وعبر التاريخ علامات دالة أخذت بعدها الأسطوري وتشكلت مثاباتٍ دائمة وقارة في ثقافات الشعوب كما في أبواب الكتاب التي تناولت ( التجسد ــ القربان ــ الحياة والأفاعي ــ التنين أسطوريا ـــ البطل الأسطوري ــ الثور السماوي) .

يأخذنا المؤلف الشيخ , في فصول كتابه هذا إلى الجذور الأولى لنشوء الأساطير ، مبينا لنا وعلى الرغم من اختلاف الأساطير وتفصيلاتها ، لكن هناك نسق موحد الأ وهو (أسطورة الوجود والنشوء والتكوين cosmogonic myth الأكثر أهمية في الثقافة البشرية , والتي تفسر الكيفية التي نشأ بها العالم وحلوله بعد العماء أو الشواش , ففي بعض الأساطير تكّون العالم من العدم،وفي البعض الآخرقد ظهر العالم من العوالم السفلية) ص22.

في الفصل المعنون ( سرديات الطوفان ) , يكشف لنا المؤلف باليات بحثه وتحليله وإطلاعه على المصادر والثقافات الأخرى ، حفريات مدهشة تتعلق بالطوفان ومديات حضوره في ثقافات الشعوب وتاريخها ، ذلك أن ( سرديات الطوفان على الرغم من اختلاف تفاصيلها ، قد تسند الرأي القائل ان سرديات الطوفان إنما هي نتاج المخيلة البشرية بوصفها النماذج البدئية للفكر الإنساني في مخاوفهِ أمام ظواهر الطبيعة الخارقة ) ص 60.

مؤكدا أن الدراسات التاريخية والإركولوجية , ترى أن أسطورة الطوفان او الطوفانات ( العبرية ــ الإسلامية) , ربما تعود إلى الأساطير السومرية والبابلية نحو 1880 ــ 1595 ق. م ، والمياه البدئية التي ظهرت في أساطير الخلق والتكوين ، ربما كانت فكرة المياه هي المُطهر للجنس البشري من خطاياه بعد غضبات ألآله عليه .

وعن منهجية المؤلف وخطاطة كتابه هذا،يقدم لنا د.سمير الشيخ خلاصة حفرياته التي تشكلت فصول كتابه ( الأساطير ــ النماذج البدئية للفكر الإنساني) عبر قوله (الفكر النقدي المستنير الذي نتبناه في دراساتنا ، يشكل مقاربة علمية تعتمد مناهج الحداثة وما بعد الحداثة مثل” الأنثروبولوجيا الأجتماعية ــ علم الأناسة وعلم الأديان وعلم التاريخ والسيمائيات الثقافية والأسلوبية الأدبية وتحليل الخطاب النقدي والدراسات الثقافية ، في وصف وتحليل وتأويل ومقارنة الخطابات الإنسانية للكشف عن الأنساق المعرفية والثقافية الخبيئة تحت نقاب اللغة) ص91 .

وتتوالى المقاربات من لدن المؤلف ليصل الى سؤال مفادهُ: هل يشهد عالم العلم ِالمعاصرموت الأساطير؟

لــ يمهد لنا المؤلف إجابتنا عبرمقولةالمفكرالسيميائيالأيطالي ” أمبرتو ايكو” عبر قوله (إن الأساطير تعيد تشكيل ذاتها على مر الأزمنة والعصور) ، كما في أسطورة  “سوبرمان” المعاصرة والتي هي ربما صورة للأسطورة الإغريقية “هراكليس او هرقل” او ربما “برمثيوس” حامل شعلة المعرفة ومنقذها.

الكتاب إضافة نوعية للمكتبة العربية في حقل دراسة الأسطورة وفضاءاتها المعرفية وجذورها التاريخية , وبما يمثل موسوعة ثرية لإضاءة فكر وتاريخ وثقافات شعوب ، عبر قراءات منتجة ولغة ثرة ومنهجية بارعة التأليف .

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى