آخر الأخبار
ألمقالات

هندسة الفوضى كيف تحولت التظاهرات إلى أداة لضرب الأمن القومي الإيراني

 

✍🏻إحسان الموسوي
مركز أبابيل الدولي للدراسات الاستراتيجية
8 يناير 2026

في الوقت الذي تبدو فيه بعض الاحتجاجات الشعبية في إيران تعبيرا عن ضيق اقتصادي أو سخط اجتماعي فإن ما جرى في مناطق مثل بندر كنجان وبوشهر وبندر عباس وكرمنشاه لا يمكن إدراجه ضمن هذا الإطار التقليدي فاختيار هذه النقاط الحساسة لا يعكس عفوية شعبية بل يشير إلى وجود عقل مدبر يسعى إلى توظيف الغضب الشعبي كأداة لهدم البنية الاستراتيجية للدولة من الداخل

بندر كنجان ليس مجرد تجمع سكني بل هو مركز ثقل في صناعة الغاز الإيرانية يحتضن منشآت حقل بارس الجنوبي الذي يمثل أحد أكبر مصادر الطاقة في العالم أي اضطراب في هذه المنطقة يهدد مباشرة الأمن الطاقي الإيراني ويبعث برسائل سلبية إلى الأسواق العالمية ويمنح خصوم إيران ورقة ضغط جديدة دون إطلاق رصاصة واحدة

بوشهر ليست فقط محافظة ساحلية بل هي موطن أول مفاعل نووي إيراني معلن ومركز لتموضع عسكري حساس على ضفاف الخليج العربي أي حراك شعبي فيها لا يمكن فصله عن السياق الأمني الإقليمي ولا عن محاولات التشويش على البرنامج النووي الإيراني من خلال خلق بيئة داخلية مضطربة

بندر عباس هو الشريان البحري الأهم لإيران على الخليج العربي وميناؤه يمثل بوابة الصادرات والواردات الرئيسية للبلاد أي اضطراب فيه يعطل التجارة ويشل حركة النفط ويضرب في عمق الاقتصاد الإيراني الذي يعاني أصلا من ضغوط العقوبات والعزلة الدولية

كرمنشاه بوابة إيران الغربية نحو العراق ونقطة ارتكاز لوجستي وأمني في خاصرة البلاد الغربية تضم تركيبة سكانية كردية ذات خصوصية سياسية واجتماعية ما يجعلها ساحة تقاطع بين المطالب المحلية والرهانات الإقليمية والدولية

الاحتجاج في هذه المناطق لا يبدو عشوائيا ولا عفويا بل يحمل بصمات من يفهم خريطة المصالح الإيرانية ويعرف أن ضرب الاقتصاد من الداخل أكثر فعالية من العقوبات الخارجية إنه تظاهر يلبس لبوس المطالب المعيشية لكنه يضرب في العمق الاستراتيجي للدولة

اللافت أن هذه التظاهرات جاءت متزامنة مع تصعيد إقليمي وضغوط دولية متزايدة على طهران ما يفتح الباب أمام فرضية التنسيق بين أطراف خارجية وعناصر داخلية تسعى إلى تحويل الاحتجاج إلى أداة هندسية لهدم الاستقرار من الداخل عبر استهداف المنشآت الحيوية والمراكز السيادية

ما يجري ليس مجرد غضب شعبي بل عملية جراحية دقيقة تستهدف شرايين الدولة الإيرانية تحت غطاء التظاهر المدني والسكوت عن هذا النمط من الحراك يعني ترك الباب مفتوحا أمام مزيد من الفوضى المصممة بعناية لضرب الأمن القومي من الداخل .

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى