حين يسقط الحياء… وتفشل البيوت وتغيب الدولة ويموت الضمير

بقلم//الكاتب
حسن درباش العامري
ما جرى في شوارع بغداد والبصرة ليلة رأس السنة لم يكن احتفالًا، ولم يكن انفلاتًا عابرًا، بل إعلان سقوط أخلاقي علني. سقط فيه الحياء قبل أن تسقط القيم، وتحوّلت الساحات العامة إلى مسارح إذلال لكرامة المرأة العراقية، وسط صمتٍ مخزٍ، وتقصيرٍ أسري، وغيابٍ أمني، وتبلّدٍ مجتمعي لا يقل خطورة عن الفعل نفسه.
تحرّش جماعي، تطويق للفتيات، ضحكات واستهزاء، وسلوك قطيعي لا يمتّ للرجولة ولا للشرف ولا للمروءة بصلة. هذا ليس فعل أفراد، بل حصاد سنوات من الإهمال. جيل تُرك بلا حدود، وبلا وازع، وبلا رادع. جيل قد يتحوّل فيه المعتدي إلى “غيور” داخل بيته فقط، وحين تكون الضحية أخته أو أمه أو قريبته، لن ينفعه الندم؛ لأن من فرّط بكرامة بنات الناس، إنما فرّط سلفًا بكرامة بيته.
قد يقول قائل: إن المتحرّش نتاج عائلة منحطة، أو بيئة فاسدة، أو بيتٍ اعتاد الانحراف، أو أبٍ بلا أخلاق يشرعن السقوط، أو ابنٍ وُلد في مستنقع الرذيلة؛ ومن الطبيعي أن يخرج متحرّشًا. هذا تفسير جزئي… لكنه غير كافٍ.
فالصدمة ليست في وجود هذا النموذج — فقد وُجد في كل زمان — بل في تحوّل الفعل إلى سلوك عام، وفي مشاركة أعداد كبيرة، وفي صمت الأغلبية، وفي اختفاء الرفض. ما حدث لم يكن فعل “ابن بيئة فاسدة” فقط، بل تواطؤًا أو قبولًا ضمنيًا من محيط واسع.
وهنا السؤال المرعب: هل أصبح الجميع بلا حياء؟
هل مات الضمير الجمعي إلى هذا الحد؟
هل صار الاعتداء مشهدًا عاديًا، والسكوت عنه “واقعية”، والاعتراض عليه “تشددًا”؟
لكن تحميل الجيل وحده الجريمة تزوير للحقيقة.
فالشارع لم يربِّ نفسه، والانحراف لا يولد في ليلة. البيت فشل… والدولة غابت.
ما كان يجب أن يكون داخل البيوت
كان يجب أن يكون الأب حاضرًا لا غائبًا،
والأم واعية لا مبرّرة،
والتربية مسؤولية لا شعارًا،
والشرف سلوكًا يوميًا لا خطبة عند الفضيحة.
كان يجب أن تُزرع قيمة احترام المرأة، وأن تُفهم الرجولة باعتبارها ضبطًا للنفس ومسؤولية، لا استقواءً وجموعًا.
لكن ما الذي حدث؟
تخلّى كثير من أولياء الأمور عن دورهم:
هواتف بلا رقابة،
وسائل تواصل بلا توجيه،
شارع صار مربّيًا،
وفاسد صار قدوة،
وانحراف صار “حرية”.
ثم فوجئنا بالنتيجة، مع أن النتائج لا تخون المقدمات.
وهنا يأتي الدور الأخطر: غياب الأمن وهيبة الدولة
أين كان الانتشار الوقائي؟
أين الردع الفوري؟
أين الاعتقالات العلنية للمعتدين؟
حين يُترك الشارع بلا قانون، يتحول القوي إلى ذئب، والضعيف إلى فريسة.
وحين تغيب هيبة الدولة، يجرؤ المنحرف، ويتوحش القطيع، وتُستباح الكرامة علنًا.
الأمن ليس مراقبة فقط، بل منع وردع وحماية. وما جرى كشف إهمالًا واضحًا أو تساهلًا غير مبرر مع سلوكيات تهدد السلم المجتمعي. الدولة التي لا تحمي بناتها في الشارع، ولا تفرض القانون في المناسبات العامة، تشترك بالصمت في صناعة الفوضى.
ثم يأتي التحذير الإلهي بلا مواربة.
فقوم لوط لم يُهلكوا لأنهم أخطأوا سرًّا، بل لأنهم جاهروا بالفاحشة، ودافعوا عنها، وسخروا من الإنذار، وصمت عقلاؤهم، وتخلّت بيوتهم، وغابت سلطة الردع. وحين صار المنكر قاعدة، نزل العقاب آية لا حادثة.
﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً﴾
هذا تحذير للبيوت قبل الشوارع، وللدولة قبل الأفراد.
ما الذي يجب أن يحدث الآن؟
– على أولياء الأمور استعادة الدور التربوي بلا تردد ولا خجل
– على الدولة فرض القانون بلا مجاملة
– على الأمن الانتشار الوقائي والحسم الفوري
– على القضاء إنزال عقوبات رادعة وعلنية
– على الإعلام التوقف عن التبرير والتلميع
فالأب الذي يصمت عن انحراف ابنه شريك،
والأم التي تبرّر شريكة،
والأمن الذي يتساهل شريك،
والدولة التي تغضّ الطرف شريكة،
والمجتمع الذي يصمت شريك كامل.
لم يعد السؤال: ماذا يفعل الشباب؟
بل السؤال الأخطر: أين البيوت؟ أين الدولة؟ وأين الضمير؟
ما نراه اليوم ليس حرية، بل حصاد إهمال شامل.
وليس فجور جيل فقط، بل فشل بيوت وغياب دولة وموت ضمير.
والأمم لا تُهلك فجأة…
بل حين يسقط حياؤها، وتُعطَّل قوانينها، ويصبح المنكر عامًا بلا من يوقفه.




