آخر الأخبار
الاخبار ألرياضية

رائد عيال فريح… بطل عالمي لم يُنصفه الإعلام ولا التاريخ

رائد عيال فريح… بطل عالمي لم يُنصفه الإعلام ولا التاريخ

في تاريخ الرياضة العراقية أسماءٌ صنعت المجد بصمت، ودفعت أثمانًا باهظة لأنها آمنت بالوطن أكثر مما آمن الوطن بها. ومن بين تلك الأسماء، يبرز اسم المصارع العالمي رائد عيال فريح، بطلٌ خرج من العمارة، وبلغ منصات العالم، ثم عاد محمّلًا بالذهب… وبالخذلان.

وُلد رائد عيال فريح عام 1964 في مدينة العمارة، ونشأ في بيتٍ لم تكن المصارعة فيه مجرد رياضة، بل إرثًا عائليًا وثقافة حياة. عمه المصارع ياسين فريح يُعد من المؤسسين الأوائل لرياضة المصارعة في العمارة، وأسهم في ترسيخ قواعدها ونشرها بين الأجيال. أما شقيقه، المصارع الدولي المرحوم حسين عيال، فقد كان أحد الأسماء اللامعة التي عُرفت بقوتها وانضباطها داخل وخارج البساط. ويكمل هذا الإرث خاله الأستاذ سلمان حسب الله، أحد أبرز مجددي المصارعة في ميسان، والذي خرّج أجيالًا من الأبطال حصدوا أوسمة ذهبية لا يمكن حصرها، حتى بات ذكر أسمائهم جميعًا مغامرة خوفًا من نسيان أحدهم.

دخل رائد عالم المصارعة في سنٍ مبكرة، وشارك في بطولات الأشبال بوزن 27 كغم، وكانت أولى محطاته الكبيرة بطولة العراق في نينوى، حيث حصد المركز الأول، لتتوالى بعدها البطولات، ويخرج منها غالبًا متصدرًا، مؤكدًا أن ما يحمله ليس موهبة عابرة بل مشروع بطل كبير.

عام 1980، جاءت اللحظة الفارقة في مسيرته، حين رُشّح لتمثيل العراق في بطولة العالم المقامة في العاصمة السويدية ستوكهولم. هناك، وقف رائد عيال أمام المصارع الأميركي، أحد رموز القوة العالمية آنذاك، وفي النزال النهائي، قلب المعادلة، وأسقط “الأسطورة” على بساط المصارعة، متوجًا نفسه بطلًا للعالم ومحرزًا الميدالية الذهبية.

كتب الصحفي الموفد مع المنتخب، محمود شاكر، عن ذلك الانتصار كلماتٍ بقيت حيّة في الذاكرة:

“إن مصارعًا من محافظة ميسان اسمه رائد عيال، مزّق أسطورة الاستعلاء الأميركي فوق بساط الصراع، وتُوّج بطلًا للعالم.”

وقبل ذلك بسنوات، حين زار وفد المصارعة الإيراني مدينة العمارة، وكانت إيران آنذاك من عمالقة المصارعة العالمية، خسر معظم المصارعين العراقيين نزالاتهم، باستثناء رائد عيال، الذي انتصر على خصمه الإيراني في نادي الحرية، فكانت تلك الليلة عيدًا شعبيًا، اختلطت فيها الهوسات والأغاني والفرح الجنوبي الصافي، وأدرك الجميع أن هذا الشاب يحمل شيئًا استثنائيًا.

وفي واحدة من أكثر محطات المصارعة العراقية رمزية، التقى رائد عيال مع بطل بغداد والعرب وآسيا، الملقب بـ“ملك البساط”، المصارع مروان سهيل، في بطولة العراق. خسر رائد النزال يومها، وكان طالبًا في كلية التربية الرياضية، فتجرّع مرارة الهزيمة، لكنه لم يعد إلى أهله شهرين كاملين، وبقي في بغداد، يتدرّب بصمت وقسوة، واضعًا نصب عينيه ثأرًا رياضيًا لا تحركه الكراهية بل الرغبة في إثبات الذات.

وجاءت الفرصة في بطولة بغداد الدولية عام 1985، بمشاركة منتخبات مصر وبلغاريا والأردن وفلسطين واليمن. فاز رائد على البطل المصري عماد الدين، وتأهل إلى النهائي، فيما تأهل مروان سهيل عن مجموعته، ليجمعهما القدر مرة أخرى. كان النزال نارًا متقدة، جولتان من الصراع الشرس، انتهت بفوز رائد عيال بنقطة مقابل لا شيء، ليتوج بطلًا لبطولة بغداد الدولية، ويعود إلى العمارة مرفوع الرأس، وقد مسح دموع الأمس بفرح اليوم.

رُشّح بعد ذلك لتمثيل العراق في بطولة المغرب الدولية إلى جانب مروان سهيل، لكن المفارقة القاسية كانت في المطار، حين مُنع رائد من السفر وسُحبت منه تأشيرة المغادرة لأسباب سياسية تتعلق بأحد أفراد عائلته. عاد مكسور الخاطر، لا مهزومًا، وبكى بمرارة على حلمٍ انتُزع منه دون ذنب.

وتتكرر المفارقة المؤلمة في بطولة آسيا في الهند، حيث تأهل رائد إلى النزال النهائي أمام المصارع الإيراني، لكن قرارات سياسية فرضت انسحابه قسرًا. أما “التكريم”، فكان دراجة هوائية، كأنما التاريخ يسخر من الذهب.

اليوم، وبعد كل تلك السنين، يبقى السؤال مفتوحًا:

هل أُنصف رائد عيال؟
إن إنصاف هذا البطل ليس مطلبًا شخصيًا، بل واجبًا وطنيًا وأخلاقيًا، فالتاريخ لا يكتبه المنتصرون فقط، بل يُصححه المنصفون. رائد عيال صفحة ناصعة في ذاكرة الرياضة العراقية، وبقاؤه على الهامش خسارة للذاكرة قبل أن يكون خسارة لرجلٍ صنع المجد… ثم صمت.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى