ذاكرة البصرة

ذاكرة البصرة
سميت محلة التحسينية باسمه
تحسين علي من مقاتل بالشعيبة الى متصرف لواء
ولد تحسين علي في بغداد عام 1890 وتخرج من الكلية العسكرية عام 1911 واشترك في معركة الشعيبة عام 1915 ضد الاحتلال البريطاني. وبعد قيام الحكم الملكي في العراق تولى إدارة عدة متصرفيات اولها الموصل ثم الكوت والحلة والديوانية ثم البصرة والتي تولى إدارتها للمدة من 27/11/1933 إلى 4/10/1938 على مدى خمس سنوات أمضاها هذا الرجل المصلح في تحسين صورة البصرة العمرانية والزراعية والتجارية وحرص فيها على ضمان أمنها واستقرارها . كان أول اعماله تحويل مقبرة ام البروم وسط العشار إلى حديقة عامة جميلة مزدانة الأشجار ومكان ترفيه لأهالي المدينة حملت اسم (حديقة الملك غازي) وبعدها سُميت بـ (حديقة الشعب) ثم كان لهُ دور مشرف في احتضان وتكفل مدرسة النجاة الأهلية في الزبيرالتي كانت مهددة وقتذاك بقطع المنحة المالية التي تدفعها لها وزارة المعارف فسعى جاهداً لمنع قطعها وهكذا انتعشت المدرسة وتوسعت وكثر عدد طلابها فعلقوا صورته في أروقتها ، بعدها اتجه إنشاء بناية جديدة وواسعة تضم دوائر الجمارك والمكوس في البصرة بدلاً من بنايتها القديمة البائسة ثم توجه نحو إنشاء بناية كبيرة تضم دوائر الحكومة المحلية (السراي) والتي كانت مبعثرة في منزل خشبي قديم لا يليق بمكانة البصرة فبذل جهوداً حثيثة لإقناع الحكومة بإنشاء (سراي) يليق بهذه المدينة العريقة فنجح في مسعاه واكتملت البناية عام 1935 وأصبحت حينذاك المقر الرئيس لمدينة البصرة وتقع الآن قرب مركز شرطة العشار .
بناية محاكم المدينة
وفي عهده شهدت البصرة افتتاح مطارها الجديد الذي كان من أجمل مطارات الشرق الأوسط اجمع .أما محاكم البصرة فكانت قبل مجيئه تشغل ثلاثة بيوت مؤجرة فشد رحاله نحو بغداد لإقناع وزير العدلية بتخصيص مبلغ مناسب لإنشاء بناية لائقة تضم تلك المحاكم واستجاب الوزير لطلبه وما أن عاد إلى البصرة حتى وقع اختياره على موقع مناسب عند مدخل المدينة من جهة الغرب وعلى وجه التحديد في منطقة (التحسينية) التي حملت اسمه منذ ذلك اليوم وحتى يومنا هذا وهكذا اكتمل المبنى الفخم المؤلف من (36) غرفة و(3) صالات وما أن حصل على تخصيص إضافي بمبلغ ألف دينار حتى أضاف للطابق الثاني جناحين. خصص الأول للمحكمة الشرعية السنية والثاني للمحكمة الشرعية الجعفرية ثم شيد جسراً على نهر العشار لربط بناية المحاكم بالضفة الأخرى للمدينة (أي بين محلة التحسينية ومحلة الفرسي) . ولستُ مغالياً إذا قُلت أن هذا الرجل كان أول من فكر بتحسين مياه الشرب لمركز البصرة وضواحيها فقد اكتشف أن أهالي مدينة الزبير يجلبون مياههم من آبار (الدريهمية) وينقلونها بواسطة البغال والحمير وهي مياه غير صالحة للشرب وما أن علم بهذه المشكلة حتى فكر أولاً بتحسين أداء محطات المياه في مركز البصرة وتطويرها وتوسيع قدراتها الإنتاجية ثم التوجه نحو الضواحي البعيدة لكنه اصطدم بالعوائق المالية التي كانت تحول دون إحراز أي تقدم في هذا الاتجاه فالمبالغ التخمينية للمشروع تقدر بحوالي خمسة آلاف دينار وهو مبلغ كبير وقتذاك ولا يمكن تغطيته من ميزانية مديرية الإسالة لذا قررالاستعانة بجهود الإدارة البريطانية المشرفة على تشغيل الموانئ العراقية فالتقى الكولونيل (جي. سي. وورد) وعرض عليه فكرة المشروع طالباً منه تقديم الدعم والمساعدة فتكفلت الموانئ باستيراد الأنابيب الفولاذية ولم تمض بضعة أشهر حتى بدأت الأنابيب والمضخات تصل تباعاً إلى البصرة فباشروا باستبدال الشبكة القديمة ونصب وتشغيل المضخات الجديد وتوسيع الأحواض والخزانات فأكتمل المشروع في غضون عامين وأصبحت مدن الزبير والفاو و(صبخة العرب) ترتوي من مياه شط العرب. وقد أثنى رئيس صحة البصرة (الدكتورعبد الحميد الطوخي) على هذا المشروع الذي وصفه بالمنقذ لحال المواطن في البصرة على اعتبار أن مياه الضواحي البعيدة كانت ملوثة وغير صالحة للشرب .
وانجازات اخرى
ربما يطول بنا المقام في سرد انجازات هذا الرجل الوطني الغيور لكننا نختصرها فنقول أنه أسهم في تشييد المدارس الابتدائية وفي تطوير وتوسيع ثانويتها وبناء دائرة البريد والبرق وإنشاء مديريتين للبلدية إحداهما في العشار والأخرى في البصرة ، وكانت كل مديرية مستقلة ومنفصلة إدارياً عن الأخرى وذلك من أجل تقديم أفضل الخدمات للمواطنين. وكانت له إسهامات كبيرة في تطوير أداء مديرية صحة البصرة وفي بناء مستشفى للحجر الصحي وتشييد عشرات المراكز الصحية في المناطق النائية وإقامة الجسور القناطر وتشييد الأسواق العصرية وكري أنهار الكباسي والدعيجي وكتيبان وتطهيرها من الترسبات الطينية وأسهم أيضا في حفر الآبار الارتوازية في المناطق الصحراوية وكانت له إصلاحات كبيرة في مدينة (القرنة) تمثلت ببناء مستشفى ومدرسة متوسطة للبنات وإقامة جسر كبير فوق أكبر أنهارها وتبليط الطريق الذي يربطها بالبصرة وبناء محطات جديدة للماء والكهرباء ثم توجه لمدينة أبي الخصيب فأنشأ مقر القائمقامية وقام بتبليط شوارعها وبناء مدرسة متوسطة وإيصال الكهرباء إلى مركزها وإقامة جسرين على الطريق الذي يربطها بمدينة الفاو على نهري أبي الخصيب وأبي فلوس مع إنشاء سدود ترابية على جانب شط العرب لمنع تسرب الماء إليها وذلك بعد إنجاز تبليط الشارع الموصل إلى البصرة .. كان (تحسين علي) أول من فكر بتبليط شارع (دينار) أما مواقفه المينائية فقد تجلت في مطالباته الحثيثة لإعادة تشغيل ميناء (أم قصر) بعدما هجرته القوات البريطانية ووجد أنه يمثل الإطلالة المينائية المباشرة على حوض الخليج العربي، فارتأى لفت انتباه الحكومة التي لم تعر اهتماماً للموضوع !
ومثلما نتذكر رجالا مبجلين من امثال المرحوم مزهر الشاوي ، لابد في الوقت نفسه ان نلاحظ ان الشاوي اخلص في تقديم خدماته لمدينة المعقل ولمديرية الموانئ وهي جزء من البصرة بينما قدم الراحل تحسين علي خدماته للبصرة المدينة ككل . كلا الرجلين قد قدما ما قدماه لكن الخدمات التي قدمها تحسين علي كانت اشمل واوسع مساحة وسكانا ن نقول هذا من باب الانصاف . واليوم نستذكر هذا الرجل العظيم الذي خدم البصرة بكل اخلاص ونترحم عليه !




