آخر الأخبار
منوعات

كاظم غيلان… صوتٌ ظلّ نظيفاً حين تلوثت الساحة

في مشهدٍ ثقافي عراقي تعرّض لاضطراباتٍ قاسية وتحوّلات لا تهدأ، يظلّ بعض المبدعين قائمين كالنخيل على ضفاف دجلة؛ شامخين رغم الريح، وأوفياء رغم الجفاف. ومن بين تلك الأصوات النادرة يبرز الشاعر والناقد والصحفي كاظم غيلان، ابن ميسان الذي حمل الجنوب في قلبه وبغداد في ذاكرته، وأخلص للكلمة كما لو أنها عهدٌ لا يُنقض.

وُلد غيلان عام 1956 في مدينة العمارة، في بيئة ريفية ندية أنبتت حسّه الشعبي، وفتحت له بوابة اللغة الرطبة التي ستصير فيما بعد مادته الشعرية الأولى. ومع شبابه المبكر، اتجه إلى بغداد ليجاور أسماء كبيرة وليصبح واحداً من الوجوه التي التصقت بالشعر والموسيقى العراقية الحديثة.

شاعر العامية النظيف.

وسط موجات التطبيل التي ارتفعت خلال حقب الصراع والحرب، بقي غيلان نظيف السيرة واللغة؛ لم يمدح طاغية، ولم يكتب للشعارات، ولم يساوم على ضمير القصيدة.
يكتب للناس، للشارع، للوجع، ولليوميات التي يعرفها جيداً، ولذلك ظلّ صوته قريباً من القلب، لا من الميكروفونات.

ويرى أن تسمية “الشعر العامي” هي الأدق، لأنها تمتدّ في الجغرافيا العربية كلها، بينما كلمة “الشعبي” تضع الإبداع في زاوية ضيقة. لكنه يتحسر على ضياع الكثير من بريق العامية الحديثة، بعدما تسللت إليها ثقافة العنف والقيم الطائفية والعشائرية.

قصيدة تُشبه الشاعر… وتفضح الليل.

ومن أبرز نصوص كاظم غيلان قصيدته الشهيرة التي تفتتح الجنوب وليله ولهيبه على صفحة الورق، حيث تتجسّد روحه المتمردة ولغته الملونة:

“أبوحدي أريدن
أرسم أشكال الليالي
وأرسم ألوان الليالي
حمرة… زرگة… خضرة… صفرة
وما أريدن غيري يرسمهه الليالي
آ… يروحي
والله لو ترسم حزنهه
أتصير (سلفادور دالي)
ولو چذب هذا اللي كلته
أمروتك… تصير ابدالي”

قصيدة تكشف جرأة الشاعر، وإصراره على الرسم بلغته الخاصة، وعلى أن يبقى صوته هو اللون الحقيقي، مهما ازدحمت اللوحة بألوان الآخرين.

ناقد لا يساوم… وذاكرة موسيقية حيّة.

إلى جانب الشعر، امتلك غيلان حسًّا نقدياً دقيقاً جعله من الأصوات التي يُحسب لها حساب. قادر على تفكيك النص بمهارة، وعلى قراءة المشهد الثقافي والموسيقي بعمق، بحكم علاقاته وصداقاته مع كبار الملحنين والشعراء والمطربين.
صار مرجعًا مهمًا للباحثين في تاريخ الأغنية العراقية، يعرف تفاصيلها ومسارات تطورها.

ويرى غيلان أن الثقافة العراقية تعيش مرحلة تراجع صعبة يتحمل مسؤوليتها المثقف الذي ترك الضجيج يحتل المنصّة، فيما غاب النقد الحقيقي وسط فوضى “العروض الصحفية” التي تُمنح صفة النقد دون استحقاق.

مهرجانات بلا روح.

وعن المهرجانات الشعرية، يرى غيلان أنها فقدت روحها، واتجهت إلى الكمّ على حساب النوع. أسماء تتكرر، ومنصات تتحول إلى ساحات مجاملة أكثر منها فضاءات إبداع.
ويسمّي هذا الانحدار “فسادًا ثقافيًا” لا يقلّ خطرًا عن الفساد المالي والإداري، إذ يفقد الشعر مكانته حين يُستبدل بالضجيج.

يظلّ كاظم غيلان واحدًا من الأصوات التي اختارت الصدق طريقًا، والنقاء منهجًا. شاعرٌ لم يلوّثه الزمن، ولم تغره المناصب، ولم يبدل موقفه أو لغته.
ظلّ مثل أنهار ميسان: صافياً مهما تعكّر المشهد، وعميقاً مهما ضاق السطح.
إنه نموذج للمثقف الذي يرى الكلمة مسؤولية قبل أن تكون فنًا، ويؤمن بأن الشعر لا يزدهر إلا حين يكون الشاعر حرًا… وصادقًا.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى