تلوّث المياه في العراق… الخطر الصامت الذي يهدد الحياة


الجزء الثاني من موضوع التلوث//
تلوّث المياه في العراق… الخطر الصامت الذي يهدد الحياة
لم يعد ملف تلوّث المياه قضية خدمية أو مطلبية عابرة، بل تحوّل إلى تهديد مباشر لصحة الإنسان والأمن الغذائي واستقرار المجتمع. فالعراق اليوم يعيش واحدة من أسوأ مراحل تدهور جودة المياه في تاريخه الحديث، نتيجة تراكمات طويلة من الإهمال، وسوء التخطيط، وانعدام الرقابة، وغياب المساءلة.
أولًا: نهران تاريخيان يتحولان إلى حوض ملوث
نهر دجلة والفرات، اللذان شكّلا هوية العراق الحضارية والزراعية، لم يعودا كما كانا. فالمياه التي تصل إلى المواطنين اليوم في كثير من المدن:وخصوصا العاصمة بغداد ناهيك عن المحافظات الجنوبية التي تعتبر اشد تأثرا
ملوثة بالبكتيريا والمواد الكيميائية.
مليئة بالرواسب ومخلفات المجاري.
غير صالحة للاستهلاك البشري في كثير من المناطق.
تُضخ إلى البيوت بدون معالجة كافية.
هذا التدهور ليس بسبب انخفاض المناسيب فقط، بل نتيجة سلوكيات خطيرة تمارس يوميًا دون رقيب.
ثانيًا: أخطر مصادر التلوث… حقائق يجب قولها بوضوح
- طرح مياه المجاري الخام إلى نهر دجلة
واحدة من أخطر الممارسات وأكثرها انتشارًا هي قيام بعض دوائر:
دائرة ماء ومارب بغداد ،امانة بغداد
دائرة المجاري في المحافظات
بـ فتح خطوط الصرف الصحي مباشرة باتجاه نهر دجلة عند ارتفاع الضغط أو عند انسداد الشبكات، أو عند حدوث خلل في محطات المعالجة.
هذا يعني ببساطة:
فضلات بشرية تُلقى مباشرة في النهر.
مياه غير معالَجة تحمل بكتيريا، فيروسات، طفيليات، ومعادن ثقيلة.
تلويث النهر من المنبع إلى المصب.
والمؤلم أن هذا يحدث قرب المناطق التي تأخذ منها محطات الإسالة مياه الشرب.
- رمي الحيوانات النافقة في دجلة والفرات
ظاهرة مؤلمة وخطيرة:
الأبقار، الأغنام، الكلاب، وحتى الحمير النافقة تُرمى في المياه.حتى بات رؤية جيف الحيوانات في مجرى النهر ظاهره مألوفة
التحلل الجيفي يطلق الجراثيم والغازات السامة.
هذه المواد تنتقل إلى محطات التصفية ثم إلى المنازل في كثير من الأحيان.
بعض المحافظات تسجل عشرات الحالات أسبوعيًا من جثث الحيوانات التي تطفو على سطح الماء دون أي تدخل فعّال.
- رمي المخلفات الصناعية مباشرة في النهر
معامل الطابوق و الدباغة و الورق ومعامل المنسوجات ومحطات الغسيل الثقيلة
تطرح: مواد كيميائية وزيوت و معادن ثقيلة و
أصباغ صناعية
مباشرة في النهر، وسط غياب الرقابة البيئية الكاملة أو الاكتفاء بكتب “التعهد” التي لا تُنفّذ عمليًا.
4. شبكات تصفية متهالك
الكثير من محطات الإسالة:
تعمل بأجهزة قديمة
لا تملك مواد التعقيم بشكل مستمر
تفتقر للمرشحات الدقيقة
تضخ مياه شبه خام للمواطنين
لذلك تظهر:
التهابات معوية
أمراض جلدية
حالات تسمم في بعض المناطق الفقيرة
بسبب المياه الملوثة.
ثالثًا: النتائج الصحية الخطيرة لتلوث المياه
تلوث المياه اليوم مسؤول عن:
ارتفاع أمراض الكوليرا في بعض المواسم.
زيادة حالات الإسهال الحاد والتسمم عند الأطفال.
انتقال الطفيليات والمكورات البرازية.
تدهور صحة الكلى والكبد على المدى الطويل بسبب المعادن الثقيلة.
الإنسان العراقي يفتح الحنفية وهو غير واثق أن الماء صالح للشرب… وهذه أكبر خسارة يمكن أن تعاني منها الدولة.
رابعًا: أسباب الخلل البنيوي
- غياب التخطيط طويل المدى
المشاريع تُنفّذ كردود فعل وليس وفق استراتيجية وطنية لإدارة المياه.
- ضعف الرقابة والمسائلة
لا توجد جهة تحاسب دائرة أو بلدية تقوم بفتح خطوط المجاري باتجاه النهر.
- الفساد في قطاع المشاريع المائية
مضخات، محطات إسالة، وأجهزة تعقيم تُشترى بمبالغ كبيرة لكنها تعمل بكفاءة ضعيفة.
- انخفاض المنسوب المائي
عندما ينخفض منسوب دجلة، يزداد تركيز الملوثات لأن كمية الماء تصبح أقل من أن تُضعف أثر التلوث.
خامسًا: ماذا يعني هذا للمواطن؟
يعني:
ماء ملوث يدخل كل بيت.
خطر صحي يومي على الأطفال خصوصًا.
أمراض تنتقل دون أن يشعر بها الناس.
تراجع الثقة بالدولة ومؤسساتها.
تلوث المياه أخطر من تلوث الهواء لأنه يدخل الجسم مباشرة ويؤثر على كل عضو من اعضاء الجسم ا
«تلوّث المياه في العراق ليس حادثًا طارئًا ولا ظاهرة طبيعية… بل نتيجة خلل إداري واضح، وغياب للرقابة، وممارسات خطيرة مثل فتح خطوط المجاري إلى دجلة والفرات ورمي الحيوانات النافقة. إذا لم تتم معالجة هذا الملف فورًا، فإن الخطر لن يكون بيئيًا فقط، بل صحيًا واقتصاديًا واجتماعيًا يهدد ملايين العراقيين.»
يكتبها حسن درباش العامري
كاتب وخبير سياسي





