آخر الأخبار
منوعات

دروس من بركان “هايلي غوبي” والعودة إلى التاريخ الجيولوجي لهضبة الاناضول التركية وسدود مشروع “الكاب التركي”.؟

دروس من بركان “هايلي غوبي” والعودة إلى التاريخ الجيولوجي لهضبة الاناضول التركية وسدود مشروع “الكاب التركي”.؟
بركان هايلي غوبي في إثيوبيا هو مثال حي على قدرة الأرض على حدوث المفاجئات حتى بعد فترات طويلة من السكون. ثوران البركان الأخير لا يشير فقط إلى حدث محلي نادر، بل هو دعوة للعلماء لإعادة النظر في ديناميكيات الصدوع النشطة والمناطق البركانية الكامنة في أماكن أخرى ويفتح نافذة مهمة لمراجعة مثل هذه الحالات مثل براكين النمرود في منطقة “وان” التركية من قبل العلماء لدراسة ديناميكيات الصدوع النشطة وخاصة صدع الاناضول النشط وملاحظة اية تغيرات بركانية في صدع الأناضول. من الضروري أن تتضافر الجهود الجيولوجية والحكومية والمجتمعية من أجل رصد مستمر، وتحضير استجابة فعّالة، وضمان سلامة المجتمعات وخاصة الدول التي تقع الى الأسفل من مشروع “الكاب” التركي كالعراق وسوريا.
لذا فإن ثوران بركان هايلي غوبي (Erta Ale) في إثيوبيا مؤخراً يُمثل تذكيراً حياً بأن الأرض قادرة على إظهار نشاط عنيف ومفاجئ، حتى بعد فترات طويلة من السكون الظاهري. بخصوص براكين النمرود (Mount Nemrut) فان هذا البركان الطبقي الضخم يقع في منطقة وان (Van) التركية على الحدود الشرقية لهضبة الأناضول. يُعد النمرود بركاناً خامداً (وليس منقرضاً) وله تاريخ من الانفجارات القوية، مما يستدعي مراجعة علمية عاجلة لدراسة نشاطه الحالي وعلاقته بصدع الأناضول النشط.
• صدع الأناضول النشط (Anatolian Fault): هذا الصدع هو الفاصل التكتوني الرئيسي الذي يحدد حركة الصفيحة الأناضولية، وأي تغييرات بركانية أو حركات أرضية على طول هذا الصدع يجب أن تكون تحت الملاحظة الدقيقة، لأنها قد تنشط جيوب الماكما الكامنة. الهاجس الأكبر هو أن منطقة هضبة الأناضول هي المنطقة التي تحتضن مشروع الكاب التركي الضخم، الذي يضم سلسلة من السدود الكبرى على نهري دجلة والفرات، مثل سد أتاتورك، وسد إليسو، وغيرها. إن حدوث نشاط بركاني كبير في محيط هذه السدود قد يؤدي إلى نتائج كارثية، تشمل الزلازل البركانية (Volcano-Tectonic Earthquakes) النشاط البركاني غالباً ما يكون مصحوباً بسلسلة من الهزات الأرضية التي تُضعف الهياكل الضخمة. إذا تعرضت سدود المشروع لزلازل قوية ناشئة عن صعود الماكما، فقد يؤدي ذلك إلى تصدع أو انهيار جسد السد. والانهيارات الأرضية والتدفقات الطينية (Lava Flows & Lahars) قد تؤدي الحمم البركانية والانهيارات الطينية الساخنة (Lahars) إلى إغلاق أو انسداد مجاري الأنهار، أو قد تصل مباشرة إلى أجسام السدود وتتسبب في إلحاق أضرار هيكلية جسيمة. وتغير التركيب الكيميائي للمياه حيث يمكن للغازات المنبعثة والأمطار الحمضية والرماد البركاني أن تغير التركيب الكيميائي لمياه الخزانات، مما يؤثر على جودة المياه وصلاحيتها للاستهلاك البشري والزراعي في دول المصب. إن تضرر سدود المنبع (تركيا) لا يقتصر تأثيره عليها فقط، بل يمتد ليُشكل تهديداً وجودياً لدول المصب كـالعراق وسوريا. فإذا انهار سد ضخم نتيجة نشاط بركاني، ستندفع كميات هائلة من المياه في موجة فيضانية مدمرة، قد تُغرق مدناً وقرى وتُدمّر البنية التحتية والمناطق الزراعية على طول النهرين في كلتا الدولتين. ولمواجهة هذا التهديد، يجب أن تتضافر الجهود على المستويات الجيولوجية والحكومية والمجتمعية عبر آليات الرصد الجيولوجي المستمر من خلال الشبكات الزلزالية والأقمار الاصطناعية واستخدام هذه التقنيات لمراقبة أي تشوهات أرضية، أو تغيرات في درجات الحرارة السطحية، أو نشاط زلزالي غير مألوف حول براكين النمرود والمناطق القريبة من سدود الكاب. وضع أنظمة الإنذار المبكر (EWS): وتطوير آليات تحذير سريعة للسكان المحليين في المنطقة، وكذلك لـ سلطات إدارة المياه والكوارث في دولتي المصب (العراق وسوريا)، لضمان الاستجابة الفعالة في حال تكرر النشاط البركاني. والعمل على إجراء أبحاث متعمقة لفهم الديناميكيات الداخلية لصدع الأناضول، وتحليل تاريخ الانفجارات القديمة للبراكين مثل النمرود، وقياس الغازات المنبعثة من الشقوق الأرضية.
نشر معلومات علمية واضحة ومبسطة بين السكان المحليين حول المخاطر البركانية وكيفية التعامل معها (كإجراءات الإخلاء، وارتداء كمامات لحماية الجهاز التنفسي من الرماد، إلخ.
بالنظر إلى الأهمية الاستراتيجية القصوى وحجم المشروع، ونظراً للتخوفات من النشاط البركاني المرتبط بصدوع الأناضول، فإننا سنركز البحث الجيولوجي على سد أتاتورك (Atatürk Dam)
يُعد سد أتاتورك هو القلب النابض والأكبر في مشروع الكاب (GAP)، ويقع على نهر الفرات. أي ضرر يلحق بهذا السد تحديداً سيكون له أكبر الأثر الكارثي على تركيا ودول المصب (سوريا والعراق). أن التهديد الأكثر فورية والأكثر توثيقاً علمياً للمنشأة يكمن في النشاط الزلزالي (Seismicity)، بما في ذلك ظاهرة الزلازل المستحثة بالخزان، أكثر من التخوفات البركانية المباشرة والتي تخص مناطق أبعد شرقاً مثل النمرود. يُصنَّف سد أتاتورك بأنه سد ركامي ذو قلب طيني، ويقع في منطقة جنوب شرق تركيا التي تعتبر واحدة من أكثر المناطق نشاطاً تكتونياً في العالم.
ان التهديد الأبرز والأكثر ارتباطاً بالسد نفسه هو تعزيز النشاط الزلزالي بعد ملء خزان سد أتاتورك بكمية هائلة من المياه (بسعة 48.7 مليار متر مكعب)، زاد معدل النشاط الزلزالي المحلي بشكل كبير. ويُعتقد أن وزن المياه الهائل يغير مستويات الإجهاد في القشرة الأرضية ويؤدي إلى انتشار ضغط المسام (Pore-pressure diffusion) في الصدوع العميقة وشهدت المنطقة القريبة من خزان أتاتورك هزات أرضية مدمرة، مثل زلزالي بقوة 5.5 و5.1 درجة على مقياس ريختر اللذين وقعا بالقرب من بلدة سامسات في عامي 2017 و2018 على التوالي. كون السد يقع في موقع خطر، بالقرب من أنظمة صدوع رئيسية منها صدع بوزوفا (Bozova Fault): يقع هذا الصدع على مسافة قريبة جداً من موقع السد (حوالي 1.25 كم) ويمتد بموازاة تاج السد تقريباً. وتُشير الدراسات إلى أن هذا الصدع قادر على إحداث زلازل بقوة تتراوح بين 6.2إلى 6.8 درجة، وهي قوة قادرة على التسبب بضرر هيكلي كبير. ونظام صدع شرق الأناضول (East Anatolian Fault System) يقع السد أيضاً ضمن النظام التكتوني الواسع لصدع شرق الأناضول، وهو الصدع الذي تسبب في الزلازل الكارثية الأخيرة 6- شباط – 2023مما يتطلب تقييم المخاطر بعد زلزال 2023 حيث أثارت زلازل فبراير 2023 قلقاً دولياً بشأن سلامة السد. وعلى الرغم من أن التقارير الرسمية الأولية أشارت إلى عدم تضرر السد بشكل مباشر، إلا أن تقارير أخرى ولقطات فيديو متداولة أظهرت عمليات تصريف طارئ للمياه، وهي آلية تستخدم لتخفيف الضغط على جسم السد وتأخير أي تدهور هيكلي محتمل. كما أشارت تقارير إلى وجود تشققات في تاج السد. بينما يتمحور التخوف الأصلي حول براكين مثل النمرود (القريبة من بحيرة وان)، فإن سد أتاتورك يقع جغرافياً في منطقة تسيطر عليها الديناميكيات الزلزالية التكتونية أكثر من البركانية الفعالة المباشرة ومن المخاطر المتكاملة في حين أن الخطر البركاني المباشر (تدفق الحمم أو الانهيارات الطينية) أقل احتمالاً في موقع سد أتاتورك، فإن المراجعة الاستراتيجية يجب أن تأخذ في الحسبان أن أي نشاط بركاني في هضبة الأناضول يُصاحَب بزيادة في الحركات الأرضية التي قد تؤثر على نظام صدع شرق الأناضول القريب من السد.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى