آخر الأخبار
السياسية

الحوكمة والمساءلة في تنظيم المياه الدولية المتشاركة والعابرة للحدود في ظل تغير المناخ: رؤية العراق المستقبلية

الحوكمة والمساءلة في تنظيم المياه الدولية المتشاركة والعابرة للحدود في ظل تغير المناخ: رؤية العراق المستقبلية
يُعدّ تحديات المياه المشتركة والعابرة للحدود أحد أبرز القضايا التي تفرضها ظاهرة تغير المناخ على الأمن والاستقرار الدوليين، خاصة في مناطق الأحواض النهرية المشتركة. وفي هذا السياق، تكتسب مفاهيم الحوكمة الرشيدة والمساءلة الدولية أهمية قصوى لضمان الإدارة المستدامة والعادلة لهذه الموارد الحيوية. يواجه العراق، كبلد مصب لنهرَي دجلة والفرات، تحديات وجودية تتفاقم بفعل عاملين رئيسيين هما الطبيعية والبشرية وتشمل تكرار مواسم الجفاف القاسية، وزيادة معدلات التصحر، وتزايد حدة العواصف الغبارية، وفقدان التنوع الإحيائي في الأهوار والمسطحات المائية. هذه الظواهر مرتبطة بشكل مباشر بالتغيرات المناخية، وكذلك بالتدخلات البشرية لسياسات دول المنبع. ويُعدّ عدم وجود اتفاقيات ملزمة وعادلة تضمن حصصاً كافية ومنصفة من مياه الأنهار من دول المنبع للعراق هو التحدي الأكبر الذي يهدد البيئة، الصحة المجتمعية، ومسار التنمية المستدامة في البلاد. مما يستدعي الحاجة إلى حوكمة رشيدة وإصلاح مؤسسي داخلي للتكيف مع مقتضيات الواقع الحالي، تُؤكد رؤية العراق على ضرورة إحداث تحول جذري في إدارة قطاع المياه، يضع الإنسان والطبيعة في مركز التنمية. يتطلب ذلك إعادة بناء قطاع المياه والري وأن يتم ذلك على أسس علمية ومؤسساتية حديثة، تبتعد عن الأساليب التقليدية في الإدارة والري. ويتطلب الأمر إعادة هيكلة وزارتي الموارد المائية والزراعة لضمان التنسيق الفعّال والاستجابة السريعة لتحديات الجفاف والتغير المناخي، والتحول نحو الزراعة الذكية التي تستهلك مياهاً أقل.
يُعدّ الانخراط الفعّال في المحافل الدولية هو الأداة الرئيسية للعراق لتفعيل آليات الحوكمة الدولية للمياه وتحقيق العدالة المناخية فكانت المشاركة في مؤتمر الأطراف (COP30) كآلية للمساءلة حيث جسّدت مشاركة العراق في المؤتمر الثلاثين للأطراف في اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ (COP30)، الذي عُقد في تشرين الثاني/نوفمبر 2025، التزام الدولة العراقية بمسار التكيف والتخفيف وإظهار التزام العراق باتخاذ الإجراءات اللازمة لتقليل آثار المناخ. وتأمين الحقوق المائية من خلال المطالبة بتفعيل الالتزامات الدولية لدول المنبع بما يتوافق مع القوانين الدولية لضمان حصص مياه عادلة.
وتفعيل الدبلوماسية المائية كركيزة للسياسة الخارجية والسعي الى ترسيخ الدبلوماسية المائية كإحدى الركائز الأساسية لسياساته الخارجية لتعزيز التعاون وبناء علاقة متوازنة بين دول المنبع والمصب، ترتكز على الحوار والبحث المشترك وتطوير السياسات التعاونية. والعمل على إيجاد نظام مائي أكثر عدلاً وتوازناً يضمن الأمن المائي للجميع، ويعيد رسم موقع العراق كـبلد ما بين النهرين.
أكدت الرؤية العراقية على أن التمويل الدولي يمكن أن يشكل حافزاً حقيقياً للتحول المستدام. ويجب أن يُخصص هذا التمويل بشكل عادل للتحول الأخضر بدعم التحول من استخدامات الوقود الأحفوري إلى مشاريع الطاقة النظيفة وإعادة تأهيل البنى التحتية من خلال تمويل مشاريع لتأهيل البنى التحتية للمياه والري المتضررة من الحروب والكوارث، بما يضمن التحول نحو اقتصاد أخضر ومستدام. هذا يمثل جزءاً من مفهوم العدالة المناخية، حيث تُطلب مساهمة الدول الكبرى في تمويل تكيف الدول المتضررة.
مما يمهد الطريق إلى المستقبل لبناء نظام مائي عادل وتنظيم المياه الدولية المتشاركة في ظل تغير المناخ وهذا يتطلب التزاماً مزدوجاً من إصلاحات حوكمة داخلية جريئة في العراق، ودفع المساءلة الدولية لدول المنبع للالتزام بالقوانين. هذا المسار يؤكد أن تعزيز الحوار وتطوير السياسات المشتركة هو الطريق الوحيد لإيجاد حلول سلمية وتعاونية لتحديات المياه المتشاركة، بما يضمن مستقبل مزدهر ومستدام لشعوب المنطقة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى