آخر الأخبار
ألمقالات

الديمقراطية العراقية بين التشويه القانوني وسيطرة المال السياسي

الديمقراطية العراقية بين التشويه القانوني وسيطرة المال السياسي

نظام ينتخب فيه الناخب زيداً… ليصل إلى السلطة عمرو

بقلم /………الكاتب والخبير السياسي
حسن درباش العامري

منذ انتقال النموذج الديمقراطي الغربي إلى الشرق، بدا واضحاً أنه دخل بيئة اجتماعية لا تشبهه في شيء. فالمجتمعات العربية والإسلامية تقوم في بنيتها على الرمزية الدينية والعشائرية والمذهبية، وهي عوامل تجعل قرار الناخب امتداداً لمرجعياته التقليدية أكثر من كونه تعبيراً عن إرادة سياسية مستقلة. وهكذا تحوّل النظام الديمقراطي، في كثير من الأحيان، إلى واجهة شكلية لا تعبّر عن حقيقة الاختيار الشعبي.

الديمقراطية الحديثة تفترض حرية الفرد وكفاءة المرشح ووضوح البرامج، بينما تتحرك المجتمعات المحافظة وفق منطق مختلف، يتقدم فيه الرمز على البرنامج، والانتماء على القناعة، والولاء على الكفاءة. وبين هذا وذاك، يتعرض المفهوم الديمقراطي لخلل عميق ينعكس مباشرة على العملية الانتخابية وآثارها.

 

الشورى… المفهوم الغائب والنظام المؤجل

رغم امتلاك الثقافة الإسلامية لمفهوم الشورى القريب في جوهره من المشاركة السياسية، فإن هذا المفهوم لم يتحول إلى نظام مؤسسي قادر على إدارة دولة معاصرة. فبقيت الشورى فكرة بلا أدوات، بينما جاءت الديمقراطية نظاماً بلا جذور اجتماعية، ليحدث الارتباك المعروف بين الشكل والمضمون.

 

قانون سانت ليغو 1/7… تشويه مقنّن لإرادة الناخب

من أبرز مظاهر الخلل في التجربة العراقية القانون الانتخابي، الذي يفترض أن يكون ضامناً للعدالة، فإذا به يتحول إلى أداة لإعادة إنتاج القوى المتنفذة.

قانون سانت ليغو 1/7، بصيغته الحالية، سمح بحدوث مفارقات صادمة، من قبيل:

مرشح مستقل كالاستاذ رائد المالكي يحصد 12 ألف صوت ولا يفوز،

بينما يفوز مرشح حزبي يحصل على 4 آلاف صوت فقط،
بسبب آلية احتساب المقاعد التي تمنح الأحزاب أفضلية غير عادلة على المستقلين.

 

هذا الخلل لا يمثل مجرد ثغرة تقنية، بل هو تشويه بنيوي يمنح الأحزاب وزناً انتخابياً يفوق حجمها الحقيقي، ويضعف فرص المرشحين الأفراد، ويجعل التمثيل الشعبي بعيداً عن إرادة الناخبين الفعلية.
كما ان قضية الكوتا للعنصر النسوي وكوتة المكونات هي الاخرى جزئيات لاتمت للديمقراطية بنسب لان الديمقراطية هي اجماع الجمهور من اجل تمكين الافضل بغض النظر عن جنسة او دينه او عرقة مادام هو مواطن يسكن نفس الاقليم ويخضع لنفس الدوله قانونها ودستورها …

 

المال السياسي… القوة الخفية التي تصنع النتائج

لا يمكن قراءة الانتخابات في العراق بمعزل عن المال السياسي، الذي أصبح لاعبا أساسياً في تشكيل النتائج. فالمال لا يستخدم فقط للدعاية، بل لشراء الأصوات، وتوجيه المزاج العام، والسيطرة على مساحات إعلامية ضخمة، وفي بعض الأحيان للتأثير على المفوضية والمراقبة وإجراءات العدّ والفرز.

وتكمن الخطورة في أن هذا المال يأتي من ثلاثة مصادر:

مال حزبي مرتبط بشبكات نفوذ واسعة،

مال فاسد ناتج عن استغلال مواقع الدولة،

مال خارجي يسعى للتأثير على اتجاهات السياسة العراقية.وضمان ولاء نواب في البرلمان لتوجيه القرارات باتجاهات معينه.

 

وبذلك تتحول الانتخابات من منافسة بين برامج إلى منافسة بين ميزانيات، ويُستبدل الاختيار الشعبي بقدرة المرشح أو حزبه على ضخ الأموال.

 

اختيار الناخب… لا يصل إلى السلطة

ورغم كل ذلك، تبقى المفارقة الأكبر بعد إعلان النتائج. فالتحالفات السياسية والصفقات والضغوط الخارجية كثيراً ما تنتهي بـ تغيير اسم المرشح الذي صوت له الجمهور، ليُستبدل بآخر تفضله التوازنات السياسية.

وهكذا يصبح المشهد العراقي في كثير من الأحيان:
الناخب ينتخب زيداً… لكن الحكومة توضع برئاسة عمرو.

وهو ما يحوّل العملية الانتخابية إلى خطوة شكلية تتبعها عملية سياسية مختلفة تماماً عما أراده المواطن.

 

ديمقراطية تحتاج إلى إصلاح جذري

عندما تتجمع:

بنية اجتماعية تعتمد الرمزية لا الفردانية،

قانون انتخابي يضعف قيمة الصوت،

مال سياسي يشتري الطريق إلى البرلمان،

وضغوط خارجية تسهم في تشكيل السلطة،

 

فإن الديمقراطية تتحول إلى إطار بلا مضمون.

والإصلاح الحقيقي لا يكون بتعديل قانون فقط، بل بإعادة النظر في الفلسفة السياسية التي تحكم النظام، ليصبح مبنياً على إرادة الناخب لا على إرادة المتنفذ، وعلى الصوت الشعبي لا على المال، وعلى النتائج لا على التوافقات.
بغداد ٢٠٢٥/١١/٢١

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى