آخر الأخبار
ألمقالات

من التبعية الى الحرية

كتب رياض الفرطوسي
في الفكر السياسي والاجتماعي الحديث، لم تعد السلطة مقتصرة على الحكومة فقط، بل أصبحت تشمل كل أشكال الهيمنة التي تنتج السلطة السياسية، بما في ذلك السلطة الاجتماعية والثقافية. لكن، ماذا عن الفرد الذي يخضع لهذه السلطة؟ هل يمكنه التفكير خارج إطار النسق الجاهز الذي تفرضه السلطة بكل أشكالها؟ منذ الاحتلال، عانى المجتمع العراقي من تحول جذري في طريقة التفكير. توقف العراقي، بشكل عام، عن التفكير بمعناه العميق الذي يشمل الفحص، النقد، والاستنتاج، ليعود إلى قواعد حياة بدائية تعتمد على تلبية الحاجات الأساسية مثل المأكل والمأوى، بينما تظاهرت النخب السياسية والثقافية بأنها تفكر. ولكن، هل تفكر النخبة حقًا؟ الحقيقة المؤسفة هي أننا لا نفكر، أو على الأقل، لا نفكر بحرية. نحن عالقون في قاموس جاهز صنعته السلطة، سواء كنا مؤيدين لها أو معارضين. بمجرد أن نعبر عن آرائنا بلغة السلطة ودستورها وقانونها ورؤيتها المغلقة، نصبح، دون أن نشعر، داعمين لها. هذا ما يمكن تسميته بـ”الاعتقال الذاتي”، حيث يحبس الفرد نفسه داخل إطار السلطة، ويستمر في دعمها حتى لو كان يعتقد أنه يعارضها. في كتابها الشهير هل يستطيع التابع أن يتكلم؟، طرحت الفيلسوفة الهندية غاياتري سبيفاك قضية التابع ودوره في مرحلة ما بعد الاحتلال. ترى سبيفاك أن الاحتلال العسكري ربما يرحل، لكنه يترك خلفه استعماراً أخطر: الاحتلال اللغوي والمعرفي. التابع، الذي هو ضحية هذه الأنظمة، لا يفكر بحرية، بل يخضع لترويض مستمر ليصبح جزءاً من حلقة الحواريين التي تدور حول السلطة . التابع لا يؤمن بالحقيقة إلا إذا مرت من خلاله. إذا لم يسمع بها أو يقرأ عنها، فهي غير موجودة. هذا التشوه المعرفي يجعل التابع عاجزاً عن التفكير المستقل، لأنه يقيس كل شيء بمعاييره الذاتية التي صنعتها السلطة . لتحرر التابع من هذه الحلقة، يحتاج إلى ممارسة مغامرة الحرية في التفكير. عليه أن يتجاوز النسق الجاهز، يخرج من الصناديق المغلقة، ويبدأ في طرح الأسئلة الحقيقية. التفكير ليس مجرد تلقي معلومات، بل هو عملية نقدية مستمرة تشمل الشك، الفهم، التجربة، والاستيعاب .الخروج من قوقعة التبعية يبدأ بإدراك أننا نعيش داخل منظومة معرفية مغلقة. علينا أن نرفض الخضوع المطلق للسلطة بكل أشكالها، ونبدأ في بناء رؤية فكرية مستقلة. التفكير الحقيقي هو أساس أي تغيير اجتماعي وسياسي، وبدونه سنبقى عالقين في دائرة التبعية .

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى