حسابات ما بعد النصر الانتخابي


كتب رياض الفرطوسي
لم تكن الانتخابات الأخيرة مجرد استحقاقٍ عابر، بل كانت لحظة فارقة في تاريخ العراق الحديث، اختباراً لقدرة الدولة والمجتمع على استعادة توازنٍ مضى عليه أكثر من عقدين. جرت العملية الانتخابية بهدوءٍ ملحوظ، في مشهدٍ يعكس رغبة العراقيين في تجاوز سنوات الصخب والفوضى، رغم الحملات المكثفة والتنافس الشرس بين القوى السياسية. لم تُسجّل أي خروقات أمنية كبيرة، ولم تُغلق الطرق، كما لو أن البلاد أرادت أن تقول للعالم إن صناديق الاقتراع أصبحت أداةً لاستعادة الدولة، لا ساحةً للفوضى.
وكان الإقبال الشعبي استثنائياً، إذ تجاوزت نسبة المشاركة خمسين بالمئة، في رقمٍ يعكس عطش المواطنين للعب دورٍ فاعل في صنع مستقبلهم. لم يكن مجرد حضورٍ انتخابي، بل رسالة قوية: العراق لا يزال يملك القدرة على الانتقال من دائرة الإحباط إلى ساحة المشاركة الواعية.
وفي هذا المشهد، برز تحالفٌ انتخابي كالرابح الأكبر، ليس فقط بعدد المقاعد، بل بكونه استوعب تطلعات العراقيين إلى دولة متوازنة، تنظر إلى مستقبلهم بعين التقدم والتنمية، لا بعين الانقسام والخلافات القديمة. هذا الفائز الجديد، الذي جمع بين طموح الشعب ورؤية البناء والإصلاح، ليس أمامه مجرد مهمة الفوز الانتخابي، بل تحدٍ أكبر: تحويل التفويض الشعبي إلى قدرة حقيقية على الحكم وتحقيق نتائج ملموسة.
الفوز في صناديق الاقتراع يمثل بداية الطريق، لا نهايته. فصاحب هذا التحالف يواجه اليوم مهمة تشكيل الحكومة، وهي مهمة معقدة تتطلب تحالفات مع الكتل السنية والكردية المعتدلة، لتحقيق الغالبية البرلمانية المطلوبة، ما يضيف بعداً آخر إلى حسابات ما بعد النصر. ليس فقط المقاعد هي المهمة، بل القدرة على الموازنة بين طموحات الداخل ومتطلبات الخارج، بين برنامج الإصلاح والمصالح الإقليمية والدولية المتشابكة.
على الصعيد الداخلي، يحمل العراقيون أملًا كبيراً في تحسين الخدمات، توفير الكهرباء والمياه، تطوير البنية التحتية، وفتح آفاق للعمل والاستقرار. هذه المطالب ليست ثانوية، بل تمثل القاعدة الحقيقية لأي شرعية سياسية، وأي فشل في تلبيتها قد يضعف أي انتصار انتخابي، مهما كان ساحقاً.
أما على المستوى الإقليمي والدولي، فالحسابات أكثر تعقيداً. إيران تراقب المشهد عن كثب، إذ لا يمكن تصور قطع العلاقات معها فجأة، لكن التوازن الجديد قد يفرض انتقالًا تدريجياً من علاقة التبعية شبه المطلقة إلى علاقة طبيعية تستند إلى المصالح المتبادلة. من جهة أخرى، تسعى تركيا لدعم مسار التعاون الأمني والاقتصادي، خصوصاً في الملفات الاستراتيجية مثل المياه والطريق التجاري الكبير الذي يربط جنوب العراق بأوروبا عبر تركيا. دول الخليج، الولايات المتحدة، روسيا، والصين، جميعها لديها مصالح حيوية في بغداد، لا يمكن تجاهلها في أي حساب سياسي.
التحدي الحقيقي للفائز الجديد يكمن في القدرة على إدارة هذه التداخلات دون أن يتحول العراق إلى ساحة لصراع المحاور. النجاح لن يقاس فقط بعدد المقاعد في البرلمان، بل بمدى القدرة على بناء تحالفات فعالة، وإدارة الاختلافات الداخلية بحكمة، وتحويل التفويض الانتخابي إلى إنجاز ملموس على الأرض.
الداخل العراقي نفسه لم يعد كالماضي؛ انقسامات الإطار التنسيقي وفجوات القوى السنية والكردية تتيح للفائز الجديد فرصة بناء تحالفات أكثر اعتدالًا، وهو ما قد يضمن استمرارية السياسات الإصلاحية. القوى الكردية، من أربيل إلى السليمانية، تعرف أن دعمها سيُحاسب في الحكومة المقبلة، ولذلك تحاول كل كتلة أن توازن بين مصالحها التاريخية وعائداتها المستقبلية. أما القوى السنية، فتظل مشتتة بين النزعات المحلية والمطالب الوطنية، لكنها في الوقت نفسه توفر فرصة لتجاوز الانقسامات الطائفية وبناء توافقات جديدة.
ومع هذا كله، يظل ملف التنمية أحد أبرز أوراق القوة. مشروع “طريق التنمية” الذي يربط الموانئ الجنوبية للعراق بالخليج وأوروبا عبر تركيا ليس مجرد بنية تحتية، بل رؤية استراتيجية لإعادة العراق إلى قلب المنطقة الاقتصادية والسياسية. هذا المشروع، إذا ما اكتمل، سيضع العراق في موقع الوسيط القوي الذي لا يُحتكر من قبل أي محور إقليمي، ويمنحه قدرة على فرض إرادته في ملفات الأمن والاستثمار.
لكن الطريق ليس مفروشاً بالورود. الفساد المتجذر يشكّل امتحاناً أصعب من التحديات الخارجية. مواجهة شبكات المصالح، وإعادة توزيع الموارد بطريقة عادلة وشفافة، يحتاج إلى مزيج من الحزم والدهاء، لأن أي محاولة إصلاحية صريحة قد تثير مقاومة شرسة داخل مؤسسات الدولة نفسها.
ومع ذلك، هناك عنصر جديد يختلف عن الماضي: وعي المواطن العراقي. الشارع أصبح أكثر انتقائية، وأكثر قدرة على تقييم الأداء الفعلي للسلطة. لم يعد يكفي الخطاب السياسي أو الحملات الانتخابية المبهرة، بل أصبح الإنجاز الفعلي هو الضمان الوحيد لاستمرار الشرعية.
أما على مستوى العلاقات الإقليمية، فالتحالفات الجديدة ستُختبر عبر ملفات دقيقة: الأمن، المياه، المشاريع الاقتصادية الكبرى، والسياسة الخارجية. تركيا ستواصل التركيز على الملفين الأساسيين: الأمن ومياه الأنهر، في حين تحاول إيران ضمان مصالحها التقليدية عبر وجود مؤثر داخل المشهد السياسي. كل دولة إقليمية تحاول أن تضمن أن الحسابات ما بعد النصر ستصب في صالحها جزئياً أو كلياً، ما يجعل مهمة الفائز الجديد معقدة لكنه في الوقت نفسه موضع قوة محتملة إذا ما نجح في إدارة هذه التوازنات.
هكذا، يتحول الفوز الانتخابي إلى سلسلة من الحسابات الدقيقة. من يشكّل الحكومة؟ كيف تُدار الاختلافات بين الكتل السياسية؟ ما هي الأولويات الإصلاحية التي ستعطي إحساساً حقيقياً بالتغيير؟ وكيف يمكن إدارة النفوذ الإقليمي بحيث لا يتحول العراق إلى ساحة لصراع المحاور؟ كل هذه الأسئلة هي ما يشكّل “الحسابات ما بعد النصر الانتخابي”، وهي أعمق وأصعب من مجرد إعلان النتائج.
وفي هذا السياق، يبرز ما يميّز هذه المرحلة عن السابق: وعي المواطن، تعقيد التحالفات الداخلية، الحاجة لإعادة التوازن الإقليمي، والمشروع التنموي الكبير الذي يمكن أن يكون ورقة تغيير حقيقية. إن قدرة الفائز الجديد على تجاوز هذه العقبات، وتحويل التفويض الشعبي إلى خطوات عملية ملموسة، هي ما سيحدد مصير العراق في السنوات المقبلة.
في النهاية، ما بعد النصر الانتخابي ليس مجرد لحظة فرح انتخابي، بل اختبار حقيقي للقدرة على الحكم، للموازنة بين الداخل والخارج، بين الطموح والواقع، بين الإنجاز والوعود. والذين ينجحون في هذا الاختبار هم من يتركون أثراً حقيقياً في تاريخ العراق، بعيداً عن الحسابات الضيقة، وقريباً من تطلعات شعبه، وبعيداً عن صخب الماضي، وقريباً من هدوء الإنجاز.
وهكذا، تبدأ مرحلة جديدة في العراق، مرحلة تحتاج إلى رؤية، وصبر، وحكمة، وجرأة. فالنصر الانتخابي لم يكن النهاية، بل كان بداية الحسابات الكبرى، التي ستحدد شكل الدولة ومستقبل المواطنين ومكان العراق في قلب الإقليم والعالم.






